اسماعيل بن حمد الكندي
كما كان الفنان “سلفادور دالي” يذيب الساعات على لوحاته السريالية ، يذيب “ميخائيل بولغاكوف” الحدود بين الحقيقة و الخيال في روايته “المعلم و مارغاريتا” ليجعل قراءه يخوضون تجربة في عالم يخلط بين الأسطورة والسياسة والإنسان و الأهم من ذلك “الشيطان”.
رواية من الأدب الروسي ، ولكنها لا تقدم ما أعتاده قراء “دوستويفسكي و تولستوي و تشيخوف..” وغيرهم من الكتّاب الروس ، هنا بولغاكوف يضع سبابته على مجتمع روسي سوفييتي هش ملئه النفاق المجتمعي ، ومن خلال شخصية “فولند” الذي يبدوا بأنه الشر المطلق يطرح الكاتب أفكاره من خلال الرواية ليكشف بين الحقيقة و الزيف داخل الفرد و المجتمع.
تبدأ أحداث الرواية في قلب العاصمة الروسية موسكو القديمة ، على مقعد عام في الطريق يجلس عليه “برليوز و بيزدومني” شخصيتان من الرواية و يتحدثان بالعقلية الروسية السوفييتية في عشرينيات و ثلاثينيات القرن الماضي ، و التي تنتشر بها الحملات الإعلامية الواسعة لتشويه كل المعتقدات الدينية ، وقد بدا من خلال الحوار أن الإيمان في العالم الماركسي هو شيء رجعي و عتيق للعامة الغير متعلمة ، ولذلك يظهر “فولند” أو “الشيطان” من اللامكان ليدخل في هذا النقاش.
هذا اللقاء يكشف أولى خيوط أفكار بولغاكوف في الرواية ، فظهور الشيطان أثناء نقاش بين مثقفين ينكرون وجود الله ويفسرون الخليقة تفسيراً عقلياً هو تحدي يكشف الكاتب من خلاله محدودية الفكر و الإبتعاد عن الواقع ، ولا يستخدم الكاتب الشيطان ليخوض جدالاً دينياً فحسب ، بل ليكشف مدى هشاشة “الملحد” الذي يضع ثقة مطلقة في أفكاره و معتقداته ، ويرسم بولغاكوف بعد هذا اللقاء عقاباً يبدوا لوهلة بأنه عقاباً مباشراً على الإلحاد و لكن في الحقيقة هو إنهيار ليقين إعتقد صاحبه بأنه وجد الحقيقة الكاملة.
من خلال الفصول الأولى من الرواية يتكشف لنا السؤال الذي يطرحه بولغاكوف: ماذا يحدث حين تجبر ثقافة بأكملها على إنكار الإعتقاد بوجود الله،ولكن تلتقي الشيطان متجسداً ؟
ولا يقتصر نقد بولغاكوف لشخصيات أو عقليات محددة ، بل ينتقل لنقد الفكر المجتمعي الموسكوفي ، فبعد تقدم الأحداث تتحول موسكو في الرواية الى ملعب يلهو به الشيطان و عصابته ، حيث يكشف من خلال لقائات متعددة مع شخصيات تحمل الجشع و النفاق و الإنتهازية و غيرها من الرذائل المنتشرة في المجتمع ، ومع كل لقاء بين الشيطان و المذنب يصنع بولغاكوف عقاباً للمذنب يجعل القراء يتساءل بحيره هل الشيطان يحقق العدالة ؟ أم أنه يلهو لمجرد رغبته بتعذيب الإنسان ؟
ويتكشف لنا ذلك بوضوح في واحدة من أهم أحداث الرواية في مشهد مسرح “فارتييه” ، حيث يصنع الشيطان وهماً من خلال عرض مسرحي يقدم فيه الأموال و الملابس الفخمة للجمهور بلا مقابل مالي ، إذ يندفع الحضور بوحشية خلف المظاهر الزائفة بالرغم من ادعائهم بالإلتزام بالقيم و المبادئ . ومن خلال هذا المشهد يفضح بولغاكوف صورة المجتمع المتناقض بين ما يعلنه وما يمارسه ، لذلك ذلك التساؤل و تلك الحيره تنقشع من عقل القارئ لتنكشف له حقيقة الشيطان الذي رسمه بولغاكوف بشكل ساخر ، وهو أكثر شخصية قادرة على كشف الحقيقة داخل عالم يتغنى بالشعارات.
في هذا العالم المليء بالأقنعة ، يصنع بولغاكوف في المقابل شخصيتي “المعلم” و “مارغاريتا” بوصفهما استثناءاً ، فالمعلم كاتب روائي يدفع ثمن وجوده تحت سلطة لا تسمح بنشر الروايات التي تخالف أفكارها أو تنتقدها ، فهو يقدم إعادة صياغة لقصة “بيلاطس البنطي” في الرواية المسيحية ، ومن خلالها يبرز أكبر خطيئة أرتكبها بيلاطس وهي التردد و الخضوع للفكر العام وما سماه المعلم “الجُبن” وأطلق عليه “أكبر نقيصة” و هي إشارة منه لخضوع المجتمع الروسي للسلطة بشكل تام.
أما مارغاريتا فهي الشخصية التي تستعد للتضحية بكل ما تملك من أجل ما تؤمن به ، ولكن الرواية لا تقدم مارغاريتا مثالأ للكمال الأخلاقي ، و لكن تمنحها مكانة خاصة لأنها ترفض العيش في الزيف الذي يحيط بها.
لعل أكثر ما يميز الرواية هي فكرة بولغاكوف المتناقضة بين ما قبل ظهور المعلم و مارغاريتا وما بعد ظهورهما ، فالتناقض واضح و جريء ، فمارغاريتا و المعلم يقعان في رذيلة كبيرة و هي الخيانة ، ولكن ظهور الشيطان لهما لم يؤت بالنتيجة الإعتيادية ، بل على العكس كان يكافئ هاتين الشخصيتين ، وهنا يقع القارئ في حيرة و يتساءل : ما الذي إختلف ؟
وهنا يضع بولغاكوف حبة الكرز على الكعك بهذه الفكرة ، فبولغاكوف هنا لا يريد من القارئ أن يحس بالذنب إتجاه الرذيلة ولا يريد أن يحاسب أحداً لكسره القواعد الإجتماعية الأخلاقية ولكن يريد أن يقول : إن الخطيئة الحقيقية ليست خرق الأعراف ، بل خيانة الذات ، فسكّان موسكو الذين عاقبهم الشيطان شخصيات بريئة إجتماعيًا و لكن فاسدة روحياً ، وتلك هي رسالة بولغاكوف.
ختاماً ، رواية المعلم و مارغاريتا لا تمثل رواية عن زيارة الشيطان لموسكو بقدر ما تبدوا عليه أنها رواية تسقط الأقنعة عن مجتمع نسي حقيقته ، فمن خلال عالم سريالي يكشف بولغاكوف هشاشة العقلية الموسكوفية التي وقعت ضحية الدعاية السوفييتية ، ومن خلال الشخصية التي تمثل الشر المطلق إستطاع الجميع مواجهة الزيف الذي يعيشونه ، وهكذا تنتقل الرواية من مجرد عالم غريب الى تأمل في الخوف و الحرية ، ويؤكد الكبير بولغاكوف أن الشر المطلق هو قدرة الإنسان على التعايش مع الكذب كجزء من حياته اليومية .
