أحمد بن عبيد الخالدي
في عالم اليوم أصبح من السهل أن نعرف كيف يعيش الآخرون، وماذا يحققون، وما هي إنجازاتهم وخططهم المستقبلية. لكن وسط هذا الكم الهائل من المعلومات، يبدو أن الكثير من الناس نسوا سؤالًا أكثر أهمية:
من أنا؟
ولعل واحدة من أكبر المشكلات التي نعيشها اليوم هي المقارنات المستمرة بالآخرين. فبدل أن ينشغل الإنسان باكتشاف ذاته وقدراته الخاصة، أصبح منشغلًا بمراقبة الآخرين ومحاولة السير في الطرق نفسها التي ساروا فيها، حتى وإن كانت لا تناسبه.
ومع الوقت، يجد نفسه يعيش حياة لا تشبهه، ويصبح نسخة مكررة من أشخاص آخرين.
يقول الله تعالى:
﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾
فالإنسان هو الأعرف بنفسه، والأقدر على معرفة نقاط قوته وضعفه، وما يناسبه من أهداف وطموحات. لكن المشكلة تبدأ عندما يمنح الآخرين حق تعريفه بنفسه أكثر مما يمنحه لنفسه.
ومن واقع تجربتي الشخصية، أستغرب أحيانًا عندما أنتقل إلى قسم جديد في العمل وأسمع من يقول: “فلان كان مجتهدًا ومتميزًا في هذا المنصب، فلا بد أن تكون مثله.”
وأتساءل دائمًا: لماذا يجب أن أكون مثل فلان؟
أنا أحترم نجاحات الآخرين وأتعلم منها، لكن لكل إنسان شخصيته المختلفة، وطريقته الخاصة في التفكير والعمل والإنجاز. فالنجاح لا يعني أن نكرر تجربة شخص آخر بحذافيرها، بل أن نكتشف الطريق الذي يناسب قدراتنا وإمكاناتنا.
وقد أشار عالم النفس ليون فستنغر في “نظرية المقارنة الاجتماعية” إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى مقارنة نفسه بالآخرين. لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الإفراط في هذه المقارنات قد يؤدي إلى انخفاض الرضا عن الذات والشعور بعدم الكفاية، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي الذي يعرض لنا أفضل لحظات الآخرين وإنجازاتهم بصورة مستمرة.
وهنا تكمن الخطورة.
فحين يقضي الإنسان جزءًا كبيرًا من وقته في مقارنة حياته بحياة الآخرين، فإنه يتوقف تدريجيًا عن اكتشاف نفسه. وبدل أن يسأل: “ما الذي أتميز به؟” يبدأ بالسؤال: “كيف أصبح مثل غيري؟”
إن اكتشاف الذات ليس أمرًا يحدث فجأة، بل هو رحلة تحتاج إلى تجربة وخطأ ومحاولات متعددة. فكثير من الناجحين لم يكتشفوا شغفهم الحقيقي من أول تجربة، وإنما بعد سنوات من البحث والتعلم والتحديات.
أما البقاء في منطقة الراحة أو انتظار الآخرين ليحددوا لنا مسار حياتنا، فلن يقود إلا إلى مزيد من التبعية وفقدان الهوية.
لذلك فإن الحل لا يكمن في تجاهل الآخرين، بل في تغيير طريقة النظر إليهم. نتعلم منهم ونستفيد من تجاربهم، لكن دون أن نفقد شخصيتنا أو نحاول أن نصبح نسخة منهم.
فالإنسان خُلق بقدرات ومواهب وظروف مختلفة، وما يصلح لشخص قد لا يصلح لآخر. ولهذا فإن المقارنة العادلة ليست بينك وبين الآخرين، بل بينك وبين نفسك بالأمس.
هل تتقدم؟ هل تتعلم؟ هل تقترب من أهدافك؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تشغل تفكيرك.
إن أخطر ما تفعله المقارنات المستمرة أنها لا تجعلنا أقل سعادة فحسب، بل قد تحرمنا من اكتشاف الشخص الذي كان من الممكن أن نصبحه.
وفي النهاية، فإن العالم لا يحتاج إلى نسخة جديدة من شخص ناجح موجود بالفعل، بل يحتاج إلى شخص يعرف نفسه جيدًا، ويؤمن بقدراته، ويترك بصمته الخاصة التي لا يمكن أن تتكرر.
ويبقى السؤال:
هل تعيش اليوم الحياة التي تناسبك أنت، أم الحياة التي يحاول الآخرون رسمها لك؟

