أحمد بن حسن بن إبراهيم البحراني
صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجديد بموجب المرسوم السلطاني رقم ٦١ / ٢٠٢٦ ليحل محل القانون السابق الصادر بالمرسوم السلطاني رقم ١٢ / ٢٠١١، في خطوة تشريعية تعكس التحولات التقنية الكبرى التي شهدها العالم خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. فمنذ صدور القانون القديم تغيرت طبيعة الفضاء الإلكتروني بصورة جذرية، وظهرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومنصات التواصل الاجتماعي الحديثة، والأدلة الرقمية، والعملات الرقمية، وأساليب الاحتيال والانتحال والتزييف العميق، وأصبحت الجرائم الإلكترونية أكثر تعقيداً واتساعاً مما كانت عليه عند صدور القانون السابق.
وعند قراءة القانون الجديد في سياق قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم ٧ / ٢٠١٨ يتضح أن المشرع لم يكن بصدد إنشاء منظومة عقابية جديدة بالكامل، وإنما اتجه في جانب كبير منه إلى تجريم استخدام الموقع الإلكتروني أو النظام المعلوماتي أو وسيلة تقنية المعلومات كوسيلة لارتكاب أفعال مجرمة أصلاً في قانون الجزاء. فالسب والقذف والابتزاز والاحتيال والإساءة إلى الأديان والإضرار بالمصالح العامة والدعارة والاتجار بالبشر وغسل الأموال وغيرها من الجرائم كانت معروفة في التشريع الجنائي العماني قبل صدور القانون الجديد، إلا أن المشرع رأى أن خصوصية البيئة الرقمية تستوجب نصوصاً مستقلة تراعي طبيعة الجريمة الإلكترونية ووسائل ارتكابها وأدلة إثباتها.
ومن أبرز ما يميز القانون الجديد أنه انتقل من مرحلة الحديث العام عن تقنية المعلومات إلى مرحلة أكثر تخصصاً ودقة. فقد أدخل لأول مرة تعريفات تشريعية للذكاء الاصطناعي وأنظمة الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي والأدلة الرقمية. وهذه الإضافة ليست مجرد تعريفات شكلية، وإنما تؤسس لمرحلة جديدة من الملاحقة الجنائية للأفعال التي ترتكب عبر الأنظمة الذكية والتقنيات الحديثة، كما تمنح جهات التحقيق والقضاء إطاراً قانونياً أوضح للتعامل مع الأدلة المستخرجة من الأجهزة والأنظمة الإلكترونية.
ويلاحظ كذلك أن القانون الجديد أولى الأدلة الرقمية أهمية خاصة لم تكن موجودة بهذه الصورة في القانون السابق. فقد خصص أحكاماً مستقلة لمعاقبة من يخفي الأدلة الرقمية أو يمتنع عن تقديمها أو يعبث بها، كما جرم الامتناع عن تقديم الرموز السرية والأدوات اللازمة للوصول إلى البيانات محل التحقيق. ويكشف ذلك عن إدراك المشرع أن معركة الإثبات في الجرائم الإلكترونية أصبحت لا تقل أهمية عن الجريمة ذاتها.
ومن الإضافات المهمة أيضاً استحداث نصوص تتعلق بانتحال الهوية الإلكترونية بصورة مستقلة. ففي ظل الانتشار الواسع للحسابات الوهمية والشخصيات الرقمية المزيفة لم يعد من الكافي الاعتماد على نصوص التزوير أو الاحتيال التقليدية، لذلك أفرد المشرع جريمة مستقلة لانتحال شخصية شخص طبيعي أو اعتباري عبر الوسائل التقنية.
كما توسع القانون الجديد بصورة ملحوظة في حماية الحياة الخاصة. ففي حين كان القانون القديم يجرم الاعتداء على الحياة الخاصة بصياغة عامة نسبياً، جاء القانون الجديد بتفصيلات دقيقة شملت استراق السمع وتسجيل المحادثات واعتراض الاتصالات وتتبع المواقع الجغرافية والتلاعب بالصور والمقاطع المرئية والتسجيلات الصوتية ونشر صور ضحايا الحوادث والكوارث وإجراء المعالجات الرقمية التي تؤدي إلى التشهير أو الإساءة بالغير. ويعد هذا التوسع استجابة مباشرة للتطورات التقنية التي أفرزتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعديل الرقمي والتزييف العميق.
ومن الجوانب اللافتة أيضاً أن القانون الجديد أدخل حماية خاصة للأطفال والعمالة المنزلية من الاستغلال الرقمي، كما جرم نشر المحتوى الذي يروج للعنف أو الرعب المفرط للأطفال. وهي مسائل لم تكن محل تنظيم صريح في القانون السابق.
وفي الجانب المتعلق بأمن الدولة والمجتمع اتجه المشرع إلى توسيع نطاق الحماية الجنائية ليشمل نشر التحقيقات الجارية ووثائقها وأسماء أطراف الدعاوى وبعض المعلومات القضائية دون إذن من الجهات المختصة، كما تناول جرائم نشر الشائعات والمعلومات المضللة والإضرار بالمصالح العليا للدولة ونشر المعلومات المتعلقة بالأجهزة العسكرية والأمنية في ظروف معينة. ويعكس ذلك اتجاهاً تشريعياً نحو تعزيز الحماية القانونية للفضاء الرقمي في ظل ما يشهده العالم من حروب معلوماتية وحملات تأثير إلكتروني واسعة النطاق.
ومن المستجدات المهمة كذلك النص على مسؤولية الموظف العام الذي يتعمد عدم اتخاذ التدابير والاحتياطات اللازمة لحماية الأنظمة المعلوماتية الحكومية. فالمشرع لم يعد يركز على المهاجم الخارجي فقط، بل أصبح ينظر أيضاً إلى الإهمال المتعمد أو التقصير الجسيم داخل الجهة ذاتها باعتباره مصدراً للخطر الإلكتروني.
كما استحدث القانون الجديد معالجة تشريعية لمسألة الرعاية القانونية للقاصرين وفاقدي الأهلية، فنص في بعض الحالات على إعفاء الولي أو الوصي أو القيم أو متولي الرعاية من العقاب إذا كان تدخله يهدف إلى حماية مصلحة فاقد الأهلية أو ناقصها. وهذه الإضافة لم تكن موجودة في القانون السابق، وتثير نقاشاً فقهياً حول ما إذا كانت تمثل عذراً معفياً من العقاب أم أنها أقرب إلى فكرة استعمال الحق أو أداء واجب الرعاية المقرر قانوناً.
وعند المقارنة العامة بين القانونين يمكن القول إن قانون عام ٢٠١١ كان يركز بصورة أساسية على حماية الأنظمة المعلوماتية من الاختراق والتخريب والاحتيال الإلكتروني التقليدي، بينما جاء قانون عام ٢٠٢٦ أكثر شمولاً واتساعاً، إذ انتقل من حماية الأجهزة والأنظمة إلى تنظيم السلوك الإنساني داخل البيئة الرقمية بأكملها. فهو قانون يتعامل مع الذكاء الاصطناعي، والأدلة الرقمية، والهوية الإلكترونية، والخصوصية الرقمية، والمحتوى المنشور، والأمن المعلوماتي، وأمن الدولة، وحقوق الأفراد، والجرائم الاقتصادية والاجتماعية والدينية التي ترتكب عبر الوسائل التقنية.
ومن ثم فإن القراءة المتأنية لهذا القانون تقود إلى نتيجة مفادها أن المشرع العماني لم يستبدل القانون القديم لمجرد زيادة العقوبات أو إعادة ترتيب النصوص، وإنما سعى إلى بناء إطار تشريعي جديد يتلاءم مع واقع رقمي مختلف تماماً عن الواقع الذي كان قائماً عند صدور قانون عام ٢٠١١، وهو ما يجعل هذا القانون أحد أبرز التشريعات الجزائية الحديثة التي تعكس التحول المتسارع الذي يشهده العالم في مجال التقنية والذكاء الاصطناعي والاتصالات الرقمية.

