طلال بن حمد الربيعي
كثرت الكتابات والمقالات والتعليقات التي تناولت السياسة الخارجية لسلطنة عمان على خلفية تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب خلال الفترة الماضية، والكل اجمع تقريبا على انها تشكل نموذجا متفردا في عالم السياسة الدولية، وقد تكون هناك فئة لا تعي مغزى السياسة الخارجية العمانية وتجهل نهج عمان الدبلوماسي، ولماذا نجحت وتفردت خلال العقود الماضية ، في بناء عقيدة دبلوماسية توازن بين مقتضيات الواقعية السياسية والتمسك بـالمبادئ والقيم الثابتة ؟،قبل الاجابة على هذا السؤال وللمعلومة فأن هناك مصطلح سياسي اطلقه الامين العام السابق للأمم المتحدة في الخمسينيات داغ همرشولد يعرف بالدبلوماسية الوقائية ،والدبلوماسية الوقائية هي الإجراءات التي تهدف إلى منع نشوب النزاعات، أو منع انتشارها عند حدوثها ، وقد صاغت عُمان مفهومها الخاص لهذه الدبلوماسية من خلال هذا المفهوم بأسلوب عمل يتميز بـ “الهدوء والسرية والجدية”.
فسلطنة عمان تدرك أن أي اشتعال في المنطقة سيؤثر بشكل مباشر على أمنها الوطني واقتصادها، لذلك فهي تتحرك دائما لتكون “جسر تواصل” لحل أعقد الملفات الدولية (مثل الاتفاق النووي الإيراني، والملف اليمني) عبر لقاءات اتسمت بالسرية والجدية وبعيدا عن الضجيج الإعلامي، مع حفاظها على مبادئها الثابتة والتي تنطلق من إرث تاريخي وحضاري عريق، قائم على احترام السيادة الوطنية لجميع الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهذا ما يجسده حرص السلطنة على حسن الجوار ومد جسور التعاون على اساس الاحترام المتبادل بعيدا عن سياسات المحاور والاستقطابات الدولية ؛ في المقابل فان هذه المثالية والمبادئ الثابتة لا تعني الانفصال عن الواقع؛ فالسياسة الخارجية للسلطنة تقرأ موازين القوى الاقليمية والدولية بدقة، وتتعامل مع الجغرافيا السياسية المعقدة للمنطقة بعقلانية وهدوء، مكنتها وعلى مر المراحل التاريخية المختلفة من صياغة علاقات متوازنة مع كثير من القوى المتنافسة.
وهنا تكمن عبقرية المدرسة السياسية العُمانية حيث لا تتعارض بين واقعيتها السياسية ومبادئها الثابتة، فالواقعية العمانية ليست براغماتية مصلحية تتخلى عن القيم، بل هي “واقعية أخلاقية” تستخدم الأدوات المتاحة والمرونة السياسية لخدمة المبدأ و المتمثل في السلام والاستقرار بالمنطقة.
فحين تنتهج عمان سياسة “الحياد الإيجابي”، فإنها تحول هذا الحياد إلى دبلوماسية وقائية يثق بها الخصوم للجلوس والتحاور، فلا تخضع مواقفها لردود الأفعال اللحظية أو الضغوط الوقتية، وهذا الامر اكسبها ثقة عالمية وسمعة طيبة بين جميع الدول على حد سواء .
