رأي شؤون وطنية
تعلمنا من لغتنا العربية أن “المعروف لا يُعرف”، وسلطنة عُمان لا تحتاج إلى من يُعرّف بحضارتها ومواقفها التي يسطرها التاريخ بحروف من نور على مرّ العصور، لكن حين يحاول البعض أن يتناسى من هي عُمان فلا بأس إن ذكرناه بفخرنا وعزّ بلادنا وبنهجنا الثابت تجاه القضايا العادلة.
لقد كان اسم عمان يتردد في أرجاء العالم قبل أن تظهر الكثير من الدول وقبل أن تتشكل هوياتها، وكانت إمبراطوريتنا البحرية تمد جسور الحضارة وتكتب ملاحم التبادل التجاري والفكري في أقاصي المحيطات، في حين كان العالم من حولنا لا يزال يخطو خطواته الأولى نحو البدائية، فكيف لمن صنع التاريخ وأرسى قواعد السلام أن يلتفت لصوت يظن أن لغة التهديد هي مفتاح الحل للأزمات، ويبني تصريحاته على وهم لا أساس له من الصحة؟!
إنَّ لغة التهديد والوعيد التي استخدمها الرئيس الأمريكي تجاه سلطنة عمان لا يمكن قراءتها إلا في سياق أنها لغة “المأزوم” الذي لا يجد مخرجا من الحرب التي أتي بها إلى منطقتنا، وفي العادة يقوم المأزومون بملء الدنيا ضجيجا وتوجيه الاتهامات والتهديدات للجميع حتى لو كانوا حلفاء أو أصدقاء.
وإذا نسي الرئيس ترامب من هي عمان وما هي مواقفها، فيمكننا أن نذكره بأن عمان من أكثر الدول التزاما بالقوانين الدولية والمواثيق العالمية، في حين أن الإدارة الأمريكية دائما ما تشعل فتيل الحروب وتتجاوز كل القوانين والأعراف الدولية المعمول به.
وفي أزمة مضيق هرمز الأخيرة والتي بسببها أطلق ترامب تصريحاته “الرعناء” ضد عمان، فإن عمان ومنذ اليوم الأول من الحرب التي تسبب فيها ترامب أكدت حرصها على حرية الملاحة في المضيق، وعلى التزامها الكامل بنصوص القوانين الدولية، وعلى مساعيها المتواصلة لحل الأزمة بعدما ارتضت أن تكون وسيط السلام بين المتنازعين على مر العصور، وحلحلت الكثير من القضايا العالقة التي كانت أمريكا طرفا فيها.
ولأن نهج سلطنة عمان هو نهج السلام، فإنها دائما ما تترفع عن النزول إلى درك الخطاب الصدامي الذي يتبناه من يريد جرَّ العالم إلى أتون الفوضى. وعلى ما يبدو أن الأمر لا يرتبط فقط بمضيق هرمز من وجهة نظر الرئيس الأمريكي، فمواقفنا الثابتة تجاه القضية الفلسطينية ورفضنا التاريخي للتطبيع مع الاحتلال الذي لا يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، يعد سببا لمحاولة جرّنا إلى مواجهات فارغة، ونحن ندرك ذلك ولن تخيفنا مثل هذه التهديدات أو تجعلنا نحيد عن بوصلتنا.
إنَّ عُمان اليوم -كما كانت بالأمس- تمد يد السلام لكل من يعرف قدر السلام، وتتمسك بسياستها الخارجية المتزنة التي جعلت منها وسيطا موثوقا على المستوى العالمي، وهي تدرك تماماً أنَّ التهديد هو أقصر الطرق لتعرية هشاشة المواقف، وأن القادة الحقيقيين هم الذين يبنون الجسور لا الذين يهددون بحرق الأرض من تحت أقدامهم، وتاريخنا يشهد لنا بحضارتنا وقدرتنا على حماية سيادتنا مع الالتزام بالقوانين الدولية.
