أحمد بن سليمان بن مهنا الكندي
حين نتحدث عن موسم الخريف في محافظة ظفار فإننا لا نتحدث عن مجرد موسم سياحي عابر، بل عن ثروة اقتصادية حقيقية تمتلكها بلادنا، وعن فرصة سنوية قادرة على تحريك قطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني إذا ما أُحسن استثمارها بالشكل الصحيح.
لقد أشرتُ في مقال سابق لي عن أهمية تطوير القطاع السياحي إلى أن النهوض الحقيقي بهذا القطاع يقوم على ثلاثة عناصر أساسية مترابطة: المنشآت، والفعاليات، والتسويق، ولا أزال أؤكد اليوم أن قطاع السياحة يمثل أحد أكثر القطاعات الواعدة في المستقبل، سواء من حيث دوره في تنويع مصادر الدخل الوطني أو في توفير فرص العمل للشباب العماني، فضلا عن مساهمته في تنشيط الحركة الاقتصادية بمختلف مستوياتها.
صحيح أن الحاجة لا تزال قائمة إلى المزيد من المنشآت السياحية والفندقية والخدمية، لكن التركيز على هذا الجانب وحده لا يكفي. فالقطاع السياحي لا يقوم على المباني فقط، بل يقوم أيضا على التجربة التي يعيشها السائح، وعلى الصورة الذهنية التي تُبنى عنه في الخارج، وهنا تأتي أهمية الفعاليات والتسويق باعتبارهما ضلعين أساسيين لا يقلان أهمية عن البنية الأساسية نفسها.
وفيما يتعلق بالفعاليات، فإنه لا يمكن إنكار الجهود الحالية المبذولة خلال موسم الخريف، فهي جهود جيدة وأسهمت بالفعل في استقطاب أعداد كبيرة من الزوار. لكن النجاح الحقيقي لأي موسم سياحي يتطلب التجديد المستمر، لأن تكرار الأفكار نفسها عاما بعد عام قد يُفقد الموسم جزءا من بريقه مع مرور الوقت.
إن موسم الخريف في ظفار يحتاج إلى أفكار إبداعية وغير تقليدية، وإلى فعاليات تصنع حالة من الدهشة، وتجعل من صلالة حديثا متداولا في وسائل الإعلام ومنصات التواصل في مختلف دول العالم.
لنتخيل مثلا إقامة مسابقة للرسم على مستوى شباب دول الخليج العربي للتنافس على رسم شلالات عين دربات، أو تنظيم بطولة إقليمية للشطرنج داخل مخيم سياحي في جبل سمحان، أو استقطاب عروض لطائرات التنين الورقية من شرق آسيا لإقامة استعراضات ضخمة في سهل أتين، أو حتى إطلاق مسابقة مجتمعية مفتوحة لأفضل فكرة فعالية يمكن تنفيذها خلال موسم الخريف، بما يتيح للمجتمع نفسه أن يكون شريكا في صناعة الموسم السياحي لا مجرد متابع له.
كما أن موسم الخريف في ظفار بحاجة أيضا إلى فعاليات كبرى تحمل طابعا دوليا قادرا على جذب الاهتمام الإعلامي والسياحي من خارج المنطقة، ومن الممكن هنا التفكير في إقامة سباق عالمي للخيل تحت اسم “كأس ظفار السنوي للخيل”، ليصبح حدثا رياضيا وسياحيا يتكرر سنويا ويرتبط باسم المحافظة كما ارتبطت مدن عالمية عديدة بفعالياتها السنوية الكبرى؛ فمثل هذه الفعاليات لا تستقطب فقط عشاق الرياضات والفروسية، بل تساهم أيضا في تنشيط قطاعات الفنادق والطيران والإعلام والتسويق، كما تمنح الموسم السياحي بعدا أكثر تنوعا وحضورا على المستوى الإقليمي والدولي.
ولعل ما يميز مثل هذه الفكرة أنها تجمع بين الطابع التراثي المرتبط برياضة الخيل في الثقافة العربية، وبين البعد السياحي الحديث القادر على صناعة حدث جماهيري وإعلامي ضخم يضيف قيمة حقيقية للموسم السياحي في ظفار.
إن مثل هذه الأفكار لا تُعد ترفا، بل أدوات تسويقية قادرة على خلق محتوى بصري وإعلامي ضخم ينعكس مباشرة على شهرة الموسم السياحي واستقطاب مزيد من الزوار.
أما فيما يتعلق بالتسويق، فإننا هنا نتحدث عن العنصر الأهم والأكثر تأثيرا في القطاع السياحي، فالعالم اليوم لا ينتظر من يملك المقومات فقط، بل يركز على من يعرف كيف يُسوّق لها بذكاء وجرأة.
إن محافظة ظفار تمتلك طبيعة استثنائية نادرة على مستوى المنطقة، لكن الوصول إلى العالمية يحتاج إلى نقلة نوعية في الفكر التسويقي، فعلينا أن نفكر بحلول أكثر جرأة، مثل إطلاق برامج دعم موسمية لتذاكر السفر بالتعاون بين الجهات الحكومية والطيران العماني والقطاع الخاص، بحيث تُقدم أسعار تشجيعية للسياح القادمين من بعض الأسواق المستهدفة في آسيا وأفريقيا وأوروبا.
قد يرى البعض أن تخفيض أسعار التذاكر بهذا الشكل يمثل خسارة مباشرة لشركات الطيران، لكن النظرة الاقتصادية الأوسع تقول إن جذب عشرات الآلاف من السياح الإضافيين يعني تنشيط الفنادق والأسواق والمطاعم وقطاع النقل والأنشطة التجارية المختلفة، وهو ما يخلق دورة اقتصادية متكاملة تتجاوز بكثير فكرة الربح المباشر من التذكرة نفسها.
إن موسم الخريف في ظفار ليس مجرد حدث موسمي جميل، بل مشروع اقتصادي متكامل يجب أن يُدار بعقلية استثمارية طويلة المدى، تقوم على الابتكار والتطوير المستمر والتسويق الذكي، لأن المنافسة السياحية اليوم أصبحت شرسة، والدول التي تنجح ليست بالضرورة الأكثر امتلاكا للمقومات، بل الأكثر قدرة على تحويل هذه المقومات إلى تجربة عالمية جاذبة.
وإذا أردنا بالفعل أن يصبح قطاع السياحة أحد أعمدة الاقتصاد الوطني في المستقبل، فإن ظفار قادرة على أن تكون نقطة الانطلاق الأهم نحو هذا التحول.
وربما يرى البعض أن الإنفاق الكبير على موسم الخريف في محافظة ظفار لا يبدو خيارا اقتصاديا منطقيا، بحجة أن الموسم لا يستمر سوى بضعة أشهر، ثم يختفي اللون الأخضر من الجبال والسهول والأودية، وتنتهي الحركة السياحية تدريجيا مع انتهاء الموسم.
لكن الحقيقة أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة القطاع السياحي في معظم دول العالم، فالسياحة في كثير من البلدان تعتمد أساسا على مواسم محددة زمنيا، بعضها لا يتجاوز بضعة أسابيع فقط، ومع ذلك تُضخ فيها استثمارات ضخمة وتُرصد لها ميزانيات تسويقية هائلة، لأن العبرة في الاقتصاد ليست بطول مدة الموسم، بل بحجم العائد المتحقق خلاله.
فكم من مدن عالمية تعتمد بشكل رئيسي على موسم ثلجي قصير، أو مهرجان سنوي محدود الأيام، أو فصل صيف يمتد لأسابيع معدودة، ومع ذلك يشكل ذلك الموسم العمود الفقري لاقتصادها المحلي.
والأمر ذاته ينطبق على موسم الخريف في ظفار، فالمردود الاقتصادي المتحقق من موسم سياحي نشيط خلال عدة أشهر قد يفوق بأضعاف ما تحققه بقية شهور السنة مجتمعة، خصوصا عندما تنشط قطاعات الفنادق والأسواق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات المختلفة في وقت واحد.
ومن هنا فإن الإنفاق بسخاء على تطوير الموسم السياحي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مصروفا مؤقتا، بل استثمارا اقتصاديا طويل الأثر، لأن الموسم الناجح لا ينعكس فقط على حجم الإيرادات المباشرة، بل يساهم أيضا في ترسيخ صورة ظفار كوجهة عالمية قادرة على استقطاب الزوار عاما بعد عام.
ومع أهمية تطوير الفعاليات والتسويق، فإن ذلك لا يعني أبدا التقليل من أهمية المنشآت السياحية، لأن هذا الجانب لا يزال يمثل تحديا حقيقيا يحتاج إلى عمل طويل المدى، سواء في محافظة ظفار أو في مختلف محافظات السلطنة.
ولا أبالغ إذا قلت إن محافظة ظفار بحاجة اليوم إلى خطة استراتيجية متكاملة لتطوير البنية السياحية، خطة تنطلق من دراسة الاحتياج الفعلي للموسم السياحي وحجم النمو المتوقع في أعداد الزوار خلال السنوات القادمة، لأن النمو السياحي لا يمكن أن يستمر بالاعتماد على الحلول المؤقتة أو المعالجات الجزئية.
فعلى الرغم من التحسن الجيد الذي تحقق في الخدمات والمرافق خلال السنوات الماضية، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة إلى المزيد من المنشآت السياحية الحديثة، وفي مقدمتها الفنادق الفارهة والمنتجعات ذات المستوى العالي، خصوصا مع ازدياد القدرة التنافسية للمواسم السياحية في المنطقة.
كما أن الربط المروري بين المعالم السياحية المختلفة أصبح ضرورة ملحة، لأن نجاح أي وجهة سياحية لا يعتمد فقط على جمال المكان، بل أيضا على سهولة التنقل وجودة التجربة السياحية بشكل عام.
ومن هنا، فإن محافظة ظفار تستحق التفكير في مشاريع نقل سياحي حديثة وطموحة، مثل إنشاء قطار سياحي يربط بين أبرز المعالم الطبيعية والسياحية في المحافظة، بما يمنح الزائر تجربة أكثر راحة وتنظيما، ويضيف بعدا جماليا وحضاريا للموسم السياحي نفسه.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالمحافظة بحاجة أيضا إلى إقامة مرافق ترفيهية كبرى ذات مستوى متقدم، مثل الحدائق المائية والمدن الثلجية والمشاريع الترفيهية العائلية الحديثة، لأن السائح المعاصر لم يعد يبحث فقط عن الطبيعة، بل عن تجربة متكاملة تجمع بين الاستجمام والترفيه والخدمات المتنوعة.
إن الاستثمار في البنية السياحية ليس رفاهية، بل ضرورة اقتصادية تفرضها طبيعة المنافسة السياحية العالمية، فالوجهات التي تنجح في استقطاب الزوار والمحافظة عليهم هي تلك التي تستطيع أن تقدم تجربة متكاملة لا تقتصر على جمال الطبيعة وحده. صحيح أن بعض هذه المشاريع تبدو طموحة في الوقت الراهن، لكنها تمثل جزءا من الرؤية المستقبلية التي يمكن العمل عليها تدريجيا.
كما قد يرى البعض أن الإنفاق الكبير على تطوير المنشآت السياحية يمثل عبئا ماليا ضخما، لكن الحقيقة أن هذا النوع من الإنفاق لا يمكن النظر إليه باعتباره خسارة أو مصروفا مؤقتا، لأنه في جوهره استثمار طويل الأمد في البنية الأساسية والعمرانية والسياحية للبلد.
فالمنشآت السياحية ليست مشاريع تُستهلك بانتهاء موسم الخريف، بل مرافق باقية تمتد آثارها لعقود طويلة، وتستمر في خدمة المواطنين والمقيمين والسياح على حد سواء، سواء من خلال تحسين جودة الحياة أو تنشيط الحركة الاقتصادية أو تعزيز جاذبية المحافظة للاستثمار والسياحة مستقبلا.
ولهذا فإن الحديث عن تطوير البنية السياحية لا ينبغي أن يُختزل في كونه إنفاقا ترفيهيا، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءا من عملية إعمار وتنمية شاملة، لأن الدول لا تُبنى فقط بالمشاريع الصناعية والتجارية، بل أيضا بالمشاريع التي تعزز جودة الحياة وترسخ هوية حضارية واقتصادية للمكان.
ويبقى هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن المنشآت والفعاليات والتسويق، وهو جانب الثقافة السياحية داخل المجتمع نفسه، لأن نجاح أي مشروع سياحي لا يعتمد فقط على القرارات الرسمية أو حجم الإنفاق، بل يعتمد أيضا على مدى انسجام المجتمع المحلي مع هذا التحول وقدرته على التفاعل الإيجابي معه.
ومن الطبيعي أن تحتاج بعض المجتمعات إلى وقت وجهد لترسيخ الثقافة السياحية وتعزيز حضورها بصورة أوسع، خصوصا عندما لا تكون السياحة جزءا أساسيا من نمطها الاقتصادي والاجتماعي التقليدي. وتعيش محافظة ظفار اليوم تحولا متسارعا نحو موقع سياحي أكثر انفتاحا وحضورا على المستوى الإقليمي والدولي، وهو تحول يحتاج إلى دعم ثقافي وتوعوي مستمر.
إن غرس الثقافة السياحية داخل المجتمع المحلي يمثل خطوة بالغة الأهمية، ليس فقط من أجل تحسين تجربة السائح، بل أيضا من أجل تعزيز القناعة المجتمعية بأن السياحة ليست نشاطا طارئا، وإنما فرصة اقتصادية وتنموية يمكن أن تنعكس فوائدها على الجميع.
كما أن المجتمع عندما يشعر بأنه شريك حقيقي في الموسم السياحي، لا مجرد متفرج عليه، فإنه يتحول تلقائيا إلى عنصر داعم لنجاحه وتطويره والمحافظة على صورته الحضارية.
إننا نتطلع إلى اليوم الذي تتحول فيه ظفار إلى أيقونة سياحية عالمية، وإلى وجهة تستضيف كبرى الفعاليات الثقافية والرياضية والفنية، ليس فقط بسبب جمال طبيعتها الاستثنائية، بل لأنها تمتلك بالفعل كل المقومات التي تؤهلها لذلك إذا ما توافرت الرؤية الطموحة والعمل المتكامل طويل المدى.
