محمد ترحيني
التحاور مع شخصٍ قد يقوده الحوار إلى زلزلة منظومته العقائدية ليس فعلًا معرفيًا بريئًا، بل حدثٌ اجتماعيّ ونفسيّ بالغ الحساسية. فنحن لا نواجه هنا “أفكارًا” مجرّدة قابلة للاستبدال، بل بنيةً متكاملة من المعاني، والطمأنينة، والانتماء، والهوية، تشكّلت عبر سنوات طويلة، وتحوّلت إلى ما يشبه “البيت الرمزي” الذي يسكنه الفرد ليحتمي من قلق الوجود وتصدّعات العالم.
من منظور سوسيولوجي، العقيدة ليست مجرد قناعة عقلية، بل نظام أمان اجتماعي. إنها شبكة علاقات، ولغة مشتركة، وطقوس، وسرديات كبرى تمنح الفرد موقعه في الجماعة ومعنى لحياته. لذلك، حين تقترب من هذه المنظومة، فأنت لا تحاور عقلًا فحسب، بل تلامس توازنًا اجتماعيًا ونفسيًا هشًا. هدم هذا التوازن دفعة واحدة قد يُنتج مقارعة عنيفة، لا لأن الفكرة الجديدة خاطئة بالضرورة، بل لأنها تهدد الإحساس بالأمان.
الخطأ الشائع في مثل هذه الحوارات هو افتراض أن الإنسان كائن عقلاني محض، يغيّر قناعاته متى واجه “حججًا أقوى”. علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي يبيّنان أن البشر نادرًا ما يتخلّون عن معتقداتهم العميقة بفعل البرهان وحده. بل غالبًا ما يحدث العكس: كلما اشتدّ التهديد، اشتدّ التمسّك. العقيدة هنا تعمل كدرع دفاعي، لا كمسألة قابلة للمراجعة الهادئة.
لذلك، أول شرط للحوار هو التواضع المعرفي. ليس من الحكمة الدخول إلى الحوار بوصفك “محرِّرًا” جاء ليُخرج الآخر من ظلامه، ولا بوصفك قاضيًا يملك الحقيقة النهائية. هذا التموضع الفوقي يُغلق أي أفق للتواصل، لأنه يعيد إنتاج علاقات السلطة داخل الحوار. الحوار الحقيقي يفترض اعترافًا متبادلًا بالهشاشة الإنسانية، وبأن كل منظومة فكرية هي استجابة تاريخية وثقافية لأسئلة الوجود، وليست حقيقةً معلّقة خارج الزمن.
ثانيًا، يجب الفصل بين نقد الفكرة ونقد الشخص. كثيرون يخلطون بين الاثنين لأن عقائدهم أصبحت جزءًا من ذواتهم. مهاجمة العقيدة بأسلوب هجومي تُفهم تلقائيًا كمهاجمة للكرامة والهوية. هنا لا بد من لغة تحترم الإنسان حتى وهي تفكّك أفكاره، لغة تقول ضمنًا: “أنت أوسع من معتقدك، وأغنى من أي منظومة واحدة”.
ثالثًا، من الضروري إدراك إيقاع التغيير. المنظومات العقائدية لا تنهار فجأة دون كلفة نفسية عالية: قلق، فراغ، شعور بالتيه، وربما اكتئاب وجودي. الحوار الأخلاقي لا يسعى إلى الهدم السريع، بل إلى فتح شقوق صغيرة في الجدار، تسمح بدخول السؤال لا بانفجار القناعة. السؤال أقل عنفًا من الجواب، وأقدر على إحداث تحوّل داخلي طويل الأمد.
رابعًا، يجب نقل الحوار من مستوى “ما الذي تؤمن به؟” إلى مستوى أعمق: “كيف تعيش؟ ما الذي يمنحك القيمة؟ ما الذي تخشاه؟”. كثير من العقائد تستمد قوتها لا من منطقها الداخلي، بل من وظيفتها: تخفيف الخوف، تنظيم الألم، تبرير المعاناة، أو منح إحساس بالاصطفاء. حين تُفهم هذه الوظائف، يصبح الحوار أكثر إنسانية، وأقل صدامية.
خامسًا، على المحاوِر أن يتحمّل مسؤولية أخلاقية: ماذا سيحدث لو اقتنع الآخر؟ هل نتركه في فراغ وجودي؟ هل نملك بدائل رمزية ومعنوية؟ هدم المغزى دون تقديم أفق جديد ليس تحرّرًا، بل قسوة معرفية. المجتمعات لا تُبنى فقط على نقد الأوهام، بل على القدرة على إنتاج معانٍ أكثر إنسانية وعدلًا.
في النهاية، التحاور مع شخصٍ قد يفقد “دفء عقيدته” ليس اختبارًا لبلاغتنا ولا لانتصار أفكارنا، بل امتحان لنضجنا الأخلاقي. الحوار هنا ليس معركة، بل مرافقة. ليس اقتلاعًا، بل إزاحة بطيئة للستار. وليس غايته أن نربح النقاش، بل أن نحافظ على الإنسان وهو يعيد ترتيب عالمه الداخلي.
فالعقائد قد تسقط، لكن الكرامة يجب ألا تسقط معها.
