محمد بن عيسى البلوشي – مستشار اعلامي للشؤون الاقتصادية
يمثل لقب “شهبندر التجار” في الوجدان المؤسسي العماني أكثر من مجرد وجاهة اجتماعية أو رئاسة شرفية؛ إنه “عقيد الاقتصاد” وضابط إيقاع المصالح التجارية، والصوت الاستشاري الأمين الذي يربط بين حراك السوق وتوجهات الدولة العليا. وفي سلطنة عمان، يجسد رئيس غرفة تجارة وصناعة عمان هذا الدور الحيوي، حيث يقود المؤسسة التي تمثل “المحرك المرجعي” للقطاع الخاص، والجسر الاستراتيجي الذي تعبر من خلاله الطموحات الاستثمارية إلى مربع التنفيذ.
والمتابع للمشهد منذ التأسيس في 15 مايو 1973، يجد أن “بيت التجار” خضع لعمليات إعادة هيكلة عميقة، توجت في عام 2013 بالانتقال من “التعيين السيادي” إلى “الانتخاب المباشر”؛ حيث لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في آلية الوصول للمقاعد، بل كان إعلاناً عن تحول في القطاع الخاص لصنع القرار الاقتصادي وفق رؤية تهدف إلى ضخ كفاءات نوعية قادرة على تفكيك تعقيدات المشهد الاقتصادي العالمي.
واليوم، وبعد مضي 13 عاماً على هذه التجربة، يبرز سؤال الجدارة الاستراتيجية: هل تمت مراجعة “أثر القيمة المضافة” لهذه المجالس المنتخبة؟. إن التقييم العلمي لمخرجات العملية الانتخابية من قبل وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار أضحى ضرورة حتمية لضمان مواءمة أداء الغرفة مع مستهدفات “رؤية عمان 2040”.
والفجوة الحالية تكمن في غياب الدراسات الأكاديمية المحكمة التي تقيس “كفاءة الأداء المؤسسي” للمجالس المنتخبة (الشورى، البلدي، الغرفة)؛ وهنا تبرز فرصة ذهبية للمراكز البحثية لتحليل الارتباط بين “آلية الاختيار” و”جودة السياسات المنفذة”، لضمان تحول تجربة الغرفة من مجرد “كيان تمثيلي” إلى “شريك حقيقي” في رسم السياسات المالية والاقتصادية.
وللانتقال بالتجربة الانتخابية إلى آفاق أكثر نضجاً في غرفة تجارة وصناعة عمان، تبرز ضرورة تبني “نظام القوائم الانتخابية” كبديل للانتخاب الفردي؛ فالقائمة تفرض على المترشحين صياغة برنامج اقتصادي متكامل وحلول واقعية للتحديات، بدلاً من الاعتماد على الشعبوية أو العلاقات الشخصية. هذا النظام، المعمول به في مؤسسات مهنية عريقة، يضمن وجود “كتل فكرية متجانسة” داخل المجلس، مما يسهل من عملية المساءلة الاقتصادية ويحول الوعود الانتخابية إلى خطط عمل زمنية قابلة للقياس.
إن عبور بيت التجار من مرحلة “الاختبار” إلى “التأثير الاستراتيجي” يتطلب تفعيل ثلاثة ركائز هيكلية:
الأولى: الجدارة النوعية بوضع “بطاقات وصف” وشروط كفاءة اقتصادية وفنية للمترشحين، تضمن وصول خبرات في مجالات الاقتصاد الكلي، الاستثمار، والتحول الرقمي، وتتجاوز شرط ملكية السجل التجاري.
الثانية: اللامركزية التنموية من خلال منح غرف المحافظات “صلاحيات سيادية محددة” لصنع القرار الاستثماري، وتحويلها إلى مراكز جذب مستقلة تبرز الميزات التنافسية لكل محافظة، بما يحقق مبدأ التنمية المتوازنة.
الثالثة: الحوكمة والشفافية عبر بناء منظومة إلكترونية متكاملة ترصد أداء الأعضاء، وتفعيل منصات “صوت التاجر” لضمان وصول مرئيات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى مراكز القرار دون عوائق بيروقراطية.
إن الهدف الأسمى ليس مجرد انتخاب رئيس أو أعضاء مجلس، بل تمكين مؤسسة قادرة على أن تكون “بوصلة الاستثمار” في السلطنة؛ ف”شهبندر التجار” وفريقه مطالبون اليوم بالوقوف في خندق الوطن، ليس كطرف يطالب بالامتيازات، بل كشريك استراتيجي يطرح الحلول، ويذود عن تنافسية الاقتصاد العماني، محققاً التناغم المطلوب بين تطلعات السوق وتوجهات الدولة لبناء اقتصاد مرن، مستدام، ومنافس عالمياً.
