سارا سلطان
قراءة جيوسياسيّة: البُنيّة الاِجتماعيّة، والمُمارسة السّلوكيّة
في لحظةٍ عالميّةٍ تتّسمُ بتفكّك التّوازنات الجيوسياسيّة، وتصاعُد حدّة النّزاعات الإقليميّة، وتآكُل القُدرة الشّرائيّة في كُبرى المُدن العالميّة، تُعلنُ مسقط عن اِنضمام مُخطّط “مسقط الكُبرى” ومشروع “وسط الخوير” إلى نادي الاِبتكار للمناطق التّجاريّة العالميّة بوصفهما الأوّلَين في منطقة الشّرق الأوسط والخامس عشر ضمن الشّبكة الدّوليّة، ويأتي هذا الإعلان بالتّوازي مع إنشاء “منطقة الذّكاء الاِصطناعيّ الخاصّة” في مُحافظة مسقط على مساحةٍ تُقارب 104 آلاف متر مُربّع، الأمرُ الّذي يُشيرُ بوضوحٍ إلى إعادة تموضع مسقط على الخارطة الحضريّة المُعاصرة.
ويرتكزُ هذا التّموضع على إنجازاتٍ رقميّةٍ وازنة؛ إذ تجاوزت مسقط حاجز 215 نقطة وفق تقديرات مؤشّر نومبيو في مُنتصف عام (2025)، لتُتوّج بالمركز الأوّل عربيًّا، والثّاني آسيويًّا، والرّابع عالميًّا. في مُنجزٍ يُجسّدُ نُضجَ التّجرِبة الحضريّة العُمانيّة؛ بوصفها نموذجًا اِستثنائيًّا من الاِستقرار الحضريّ النّادر الّذي يُوازنُ بين الإنسانيّة والإنتاجيّة، وبين الأصالة والحداثة، وبين الاِستمراريّة والنّمو.
وتستمدّ مسقط اِستقرارها من موروثاتٍ اِجتماعيّةٍ متوارثةٍ يُجسّدُها السّمت العُمانيّ كممارسةٍ سلوكيّةٍ تُشكّل شكل العَلاقات الإنسانيّة بوعيٍ يحدّ من المُشاحنات اليوميّة، ويُسهم في اِستدامة الأُلفة المُجتمعيّة، حيثُ يتقاطعُ المزاج الحضريّ لمسقط مع التّوجّهات الحضريّة الحديثة الّتي أعادت توصيفَ العَلاقة بين الزّمن الحضريّ والإنتاج الإبداعيّ؛ ليُصبح العيش داخل المدينة جزءً من المنظومة الإنتاجيّة ذاتها.
غير أنّ هذا الاِستقرار المُتّزن، برُغم فرادته، يستدعي طموحاتٍ مشروعةً للمُضيّ من أنسنة المدينة إلى فاعليّة الإنتاج؛ فكيف ستحوّل مسقط إرثها المعيشيّ من واحة اِستقرارٍ ساكنة إلى مُختبرٍ إبداعيّ يوفّر مساحاتٍ للاِشتباك الحيويّ بين المُبدعين؟
المدينة القابلة للعيش: من الزّمن الحضريّ إلى الاِقتصاد الإبداعيّ
تتجاوزُ جودة الحياة في المُدن كونها ترفًا معيشيًّا، لتُصبح شرطًا شارطًا لنموّ ما تضمّنته نظريّة الباحث والمُنظّر الحضريّ الأمريكيّ ريتشارد فلوريدا “الطّبقة الإبداعيّة” (2002)؛ فالمُبدع اليوم لا يتحرّك ضمن جُغرافيَا الوظيفة، بل ضمن جُغرافيَا الاِستقرار النّفسيّ والزّمنيّ.
وتتعزّز هذه النّظريّة بما تُشير إليه تقاريرُ مُنظّمة التّعاون الاِقتصاديّ والتّنميَة (2021 – 2023) الّتي تُظهر أنّ تنوّع أنماط العمل المرن أعاد تشكيل جُغرافيَا جذب الكفاءات؛ إذ باتت مدنٌ مثل برلين ولشبونة بما تجمعُه من جودة حياتيّةٍ وتكاليف معيشيّةٍ مُتوازنة أكثرَ قُدرةً على اِستقطاب فئاتٍ واسعةٍ من العاملين في الاِقتصاد الرّقميّ والإبداعيّ، دون أن يعني ذلك تراجُعًا لجاذبية العواصم الحضريّة الكُبرى.
غير أنّ هذا التحوّل لا يقتصرُ على إعادة تموضع الكفاءات الإبداعيّة، بل يمتدّ إلى إعادة تعريف وظيفة الحواضر نفسها؛ إذ لم يعُد دورها يقتصرُ على جذب المواهب واِستقطابها، بل بدأ يتّجه نحو اِستبقائها واِستثمارها عبر إعادة تشكيل بُنيّتها الحضريّة؛ لتُصبح بيئةً إنتاجيّةً حاضنةً تُعيدُ ضخّ الإبداع كقيمةٍ محلّيّةٍ مُضافة، وهي قيمةٌ يستمدّها الإبداع من التّباين النّوعيّ في أساليبَ العيش خصوصًا فيما يتعلّق بإدارة الزّمن باِعتباره المورد الأثمن في المُدن؛ ففي الوقت الّذي تستندُ فيه مدنٌ كُبرى كنيويورك ولندن إلى نموذجٍ يضغط الزّمن الحضريّ لرفع العائد الاِقتصاديّ بمتوسّط تنقل يُقارب 40 دقيقة في الاِتّجاه الواحد، تُقدّم مسقط نموذج إنعاش الزّمن لا اِستنزافه؛ إذ ينخفض هذا المتوسّط إلى نحو 24 دقيقة فقط وفق مؤشّرات نومبيو في الاِتّجاه ذاته، أي ما يُعادلُ تقريبًا 67 ساعة سنويًّا، أو نحو 8 أيّام عمل؛ وهو ما يُتيحُ للفرد فائضًا زمنيًّا يُعزّز الإنتاجيّة، ويُسهمُ في رفد سلاسل القيمة الإبداعيّة دون أدنى تكلفة رأسماليّة.
وهُنا تحديدًا تكمُن المُفارقة الحضاريّة في النّموذج العُمانيّ؛ باِعتباره نموذجًا أصيلًا لا يُنافِسُ بالمعايير النّمطيّة، بل يُنافَسُ بمُكتسباته الإنسانيّة؛ مُقدّمًا للعالم هُويّةً حضريّةً مُغايرة لما اِعتادته التّجارِب الدّوليّة الّتي خاضت غمار التّحوّل بأساليبَ تقليديّة.
غير أنّ هذا الفائضُ الزّمنيّ، بما يحملهُ من هدوءٍ وظيفيّ، يستوجبُ اِستحقاقًا اِستراتيجيًّا يتجاوزُ لغةَ الأرقام؛ فهل ستستثمرُ العاصمة العُمانيّة مسقط صدارتها في جودة الحياة لتتحوّل من ميزةٍ معيشيّة إلى رأس مالٍ إبداعيّ يُسهمُ في بناء اِقتصاداتٍ قائمةٍ على الموهبة والتّكنولوجيَا والمعرِفة، أم سيظلّ هذا التّفرّد اللّافت مُؤطّرًا ضمن حدود المؤشّرات والتّصنيفات الدّوليّة؟
مسقط النّموذج الحضريّ المُغاير: اِقتصاد الجودة، لا اِقتصاد الكثافة
إنّ اِستدامة جذب الكفاءات تظلّ مُقترنةً بتكامُل ملامح البُنيّة التّحتيّة النّاعمة؛ حيثُ تتماهى جودة الحياة الواقعيّة مع كفاءةِ الحياة الرّقميّة في مواءمةٍ تحوّلُ المدينة من مُجرّد حاضنةٍ للمُبدعين إلى بيئةٍ تمكينيّةٍ تُفعّل الطّاقات الكامنة إلى أصولٍ تشغيليّةٍ عبر سياساتٍ اِقتصاديّةٍ، وحوافزَ اِستثماريّةٍ، وبُنيّةٍ سوقيّةٍ قادرةٍ على تحويل النّشاط الفرديّ إلى رافدٍ اِقتصاديّ مُصدّر للقيمة الإبداعيّة المُضافة.
ويتجسّدُ هذا التّوجّه إجرائيًّا في مُخطّط “مسقط الكُبرى” وإنشاء “منطقة الذّكاء الاِصطناعيّ الخاصّة”؛ كركيزةٍ أساسيّةٍ لبُنيّةٍ تحتيّةٍ رقميّةٍ ومكانيّةٍ تستثمرُ الفائضَ الزّمنيّ الّذي توفّرهُ مسقط لربط جودة الحياة بالاِقتصاد الرّقميّ، وتحويل الميزة الحضريّة من رفاهٍ اِجتماعيّ إلى ثقلٍ اِقتصاديّ يُعيدُ مواءمة الاِبتكارات التّقنيَة والكفاءات البشريّة مع التّدفّقات الاِستثماريّة المُستدامة في هدوءٍ وظيفيّ يُقلّل الضّجيج العشوائيّ مُستبدلًا إيّاه بال ضّجيج الإبداعيّ.
