طالب بن سيف الضباري
dhabari88@hotmail.com
بعد سنواتٍ عجافٍ من الأعمال الدرامية العُمانية، والتي كانت في فترةٍ ما تُجبرك على المتابعة، خاصة تلك التي تُنتج خصيصًا لشهر رمضان، والتي تحرص معظم الأسر العُمانية على متابعتها بشغف، وتركت بصمةً وأثرًا، بل كتبت تاريخًا فنيًا يشهد له بالكفاءة والتميّز، وبعد أن هجر المشاهد قنواته الوطنية، وأصبحت الفجوة كبيرة بينه وبين الشاشة الفضية العُمانية، عملٌ واحد فقط استطاع أن يعيده مرةً أخرى وبقوة إلى المشاهدة، وأن يجعله يحسب الدقائق بعد الإفطار لكي لا تفوته لحظة البداية، وألا تغيب عنه لقطة أو مشهد من مسلسل «القافر» الذي قلب كل الموازين، ليكون حاضرًا ومؤثرًا في وجدان وفكر – ولا أريد أن أبالغ إذا قلت – كل العُمانيين، بل لنقل غالبيتهم، لأنه فعلاً تمكن من تقديم محتوى جسّد حقبةً من حقب التاريخ العُماني المليئة بالعديد من المفردات والقيم النبيلة، وروح القرية العُمانية الأصيلة.
فـ«القافر» يراه الكثيرون ليس مجرد مسلسل عادي، وإنما منجز فني وطني بمعنى الكلمة، استطاع من خلال تكامل عناصره الفنية، نصيًا وبيئيًا وتمثيليًا وتصويريًا وإخراجيًا، أن يعيد مجد الدراما العُمانية التي اختفت لسنوات عديدة، وفقد معها الأمل في أن تنهض مرة أخرى بتلك القوة التي كانت عليها، مما دفع بالمشاهد إلى الاتجاه نحو قنوات أخرى أشبعت لديه ما كان يبحث عنه من محتوى درامي يرتقي إلى ما يطمح إليه خلال شهر رمضان وحتى بعده.
لقد نجح «القافر» بامتياز في سحب المشاهد العُماني من القنوات الأخرى، وأن يجبره طوعًا على مشاهدة تلفزيون بلده، فالمشاهدة هنا – كما كنت أراها – لم تقتصر في الأسرة على مرحلة عمرية محددة، وإنما شملت جميع الأفراد، لأن النص الدرامي في حقيقته يخاطب هذه الفئات بأسلوب لهجوي عُماني سهل وبسيط، ومفهوم لدى جميع العُمانيين على الرغم من تعدد لهجاتهم.
زهران القاسمي، مؤلف العمل الدرامي، الذي أبدع في نقل صورة عن واقع كانت تعيشه إحدى القرى العُمانية، ولعلها تتشابه مع قرى أخرى على امتداد جغرافية سلطنة عُمان، جسدها في رواية كُرّمت عالميًا قبل أكثر من سنتين، لتحظى بتكريم والتفاف وطني، تمكن المخرج وكوكبة الممثلين من خلالها من إعادة الدراما العُمانية إلى الواجهة. كما أن الجانب الآخر من حكاية «القافر» أظهر لنا نجومًا بمستوى عالٍ من جودة الأداء، فعمل درامي يتأثر به الطفل قبل الكبير، لا شك يعد من الأعمال النادرة ذات التأثير العالي، وهذا ما يؤكده حفظ الأطفال لأسماء شخصيات المسلسل.
