آمنه بنت محمد البلوشي
ayaamq222@gmail.com
تعود بي الذاكرة إلى زمنٍ بسيط، حين كان العيد يُستقبل بالقلب قبل العين، وتُروى تفاصيله شفهيًا بين الأجيال، كأنها حكاية دافئة لا تنتهي. لم تكن هناك شاشات تُعلن قدوم الفرح، بل كانت القلوب تترقّب، والآذان تصغي، والوجدان يتهيأ لاستقبال بهجةٍ نقية، تتسلل إلينا ببطء كما تتسلل أولى خيوط الفجر.
أتذكر تلك اللحظات التي تسبق إعلان عيد الفطر المبارك، حين كنا نصعد إلى أسطح البيوت، نحدّق في الأفق، ونصغي بكل شوق لصوت المدفع. لم يكن مجرد صوتٍ عابر، بل كان بشارةً تُشعل فينا الفرح، وإعلانًا يدخل العيد إلى البيوت بلا استئذان. وما إن يدوي الصوت، حتى تتعالى أصواتنا بالتهليل، ونركض بقلوبنا قبل أقدامنا لنزفّ الخبر: “إنه العيد!”
وفي تلك الأثناء، كنت أمتلك راديو صغيرًا مع كاسيت، أحرص على رفع صوته، كأنني أريد أن أملأ المكان كله بصوت العيد، بأناشيده وأخباره، ليصبح الفرح مسموعًا كما هو محسوس. كان الصوت وحده يكفي ليصنع صورة كاملة في مخيلتنا. ثم، مع مرور الزمن، دخل التلفزيون إلى بيوتنا، فصار للعيد وجهٌ يُرى بعد أن كان يُسمع، وكنت أردد بحماس “أنت يا عمي، أنت يا خالي”، كأنني أشارك في صناعة الفرح، لا مجرد تلقيه.
وفي صباحات العيد، كان للوقت طعمٌ مختلف. نستيقظ قبل شروق الشمس بقليل، على وقع تكبيرات العيد التي تتردد في الأرجاء، كأنها تنادي القلب قبل الأذن. تمتزج هذه الأصوات مع رائحة اللبان العماني، ومع خشب العود الذي جاء به أبي من دبي، فتنتشر رائحة مهيبة تملأ البيت، وتعلن أن هذا اليوم ليس كغيره. وكان يتم تبخير الحب الفخاري قبل وضع الماء فيه، في طقسٍ دقيق، كأن حتى الأشياء الصامتة تستعد لاستقبال العيد.
نلبس أجمل ما لدينا من ملابس، تلك التي انتظرناها طويلًا، فنشعر أننا دخلنا يومًا استثنائيًا. كانت أمي تُهيئنا بحنان، وتُكمل تفاصيلنا الصغيرة بعينٍ لا تخطئ، ثم تبتسم، وكأنها تضع ختم الفرح على وجوهنا. وكانت تضع الحنّة في يدي، وتتركها حتى الصباح، كأنها طقسٌ ناعم يزرع في القلب لونًا، وينثر في الروح بهجةً هادئة لا تُنسى.
وفي البيت، تبدأ طقوس أخرى لا تقل جمالًا. تقوم جدتي وأمي بحمص القهوة، فتفوح رائحتها في الأرجاء، ثم تُطحن في تلك المكينة التي كانت هدية من أبي لأمي من دبي، تحمل في صوتها حكاية محبة. وكانت جدتي تضع دلة القهوة فوق كانون مستطيل يشبه المجمر، تتركها تغلي فوق الجمر بهدوء، بينما تُستخدم دلة أخرى للسكب، في طقسٍ عريق تتكرر تفاصيله دون أن يفقد سحره. وكان صوت الغليان مع رائحة الهيل يشكّل موسيقى العيد.
وكانت القهوة تُقدَّم أولًا للضيوف، كبارًا وصغارًا، في طقسٍ من الكرم والترحيب، حيث تمتلئ الأكواب وتُعاد مرارًا، وكأنها لغة صامتة تعبّر عن المحبة.
وكان التمر يُجلب في أكياس صغيرة من زوّار سوق صور القديم، حاملاً معه عبق الطريق وذاكرته، بينما يأتي الرطب من أنواع الخلاص والهلالي والمكران، من باعةٍ يملكون مزارع في شمال الشرقية، حيث تُقطف الثمار من نخيلها الطيبة، وتصل إلينا محمّلة بصدق الأرض وكرمها. وكان أبي يحرص على أن يجلب لنا هذه الأنواع، كأنه يجمع لنا فرحة العيد في ثمارٍ حلوة، تحمل نكهة المكان وروحه.
وفي المطبخ، كانت جدتي تُعد اللقيمات من طحين ونشاء يتم شراؤهما من دكاكين البانيان، وما إن تُلقى في الزيت حتى تتكور وتنتفخ، كأنها كرات من ذهب، ثم تُرش بالسكر، فننتظرها بلهفة، نراقبها وكأنها معجزة صغيرة تتكرر كل عام.
وكانت أمي تُعد لولاه التمر، تضيف بها لمسةً دافئة تكمل حضور العيد على المائدة.
ثم تأتي “العرسية”، ذلك الطبق الذي لا يكتمل إلا بالصبر والقوة. كان إخوتي يتناوبون على تحريكها، بينما أقف أنا مترقبًا، أحمل صحنًا صغيرًا، أنتظر لحظة التقديم. وكنا نوزّع العرسية على الجيران، كأنها حلمٌ هبط به العيد، يحمل دفئًا لا يُشترى، وبركةً تُقسم على الجميع.
وكانت الأبواب تُترك مفتوحة، وكأن البيت يقول: “مرحبًا بالجميع”. وفي الحوش، نفرش حصيرًا تقليديًا مزخرفًا بنقشة جمل، نضع عليه ما أُعدّ من طعام. كانت الأطباق بسيطة جدًا، لكنها تزداد غنىً بوجود الأهل والجيران، حيث تختلط الضحكات، وتُقال التهاني بصدق.
ومن أهم أكلات العيد، كانت بيض السمك المشوي، ومعه عيش أبيض وسمك مالح، طعامٌ بسيط، لكنه يحمل نكهة البحر، ويجعل المائدة امتدادًا للمكان الذي نعيش فيه.
وكان البحر متنفسنا في العيد، بيوتنا قريبة منه، تطل عليه كأنها تحاوره. كنا نذهب إليه، نمسك سرطاناته، ونجمع القواقع والأصداف، ونجلس قرب برج المربعة، ذلك الشاهد الصامت فوق التلة الحجرية، نتخيل السفائن القادمة من رحلات بعيدة، ونراقب الصيادين وهم يرفعون الأشرعة أو ينزلونها، بينما الطيور المهاجرة ترفرف فوقنا، كأنها تشاركنا المشهد.
ومن أهم مغامرات الترفيه، كنا ننطلق نحو البحر، نلهو بين موجه، نمسك سرطاناته الصغيرة بحذرٍ ممزوج بالضحك، ونجمع القواقع والأصداف التي يتركها الموج، كأنها هدايا خفية لنا. نجلس بجانب برج المربعة، ونسرح بخيالنا، نتخيل السفائن القادمة من رحلات البحر، ونشاهد الصيادين وهم يمسكون بأشرعة السفن، يرفعونها حينًا ويخفضونها حينًا، في مشهدٍ لا يملّ، بينما الطيور المهاجرة ترفرف فوقنا، تضيف إلى السماء حياةً أخرى.
وفي الليل، نحمل الحصير إلى خارج المنزل، نجلس تحت ضوء سراج “بو فتيلة”، نحكي الحكايات ونتسامر. وعلى سطح البيت، تحت النجوم، كانت جدتي تروي لنا حكاياتها، عن الجني الذي خرج من البحر، يشبه سرطان البحر وله ذيل كذيل فرس النهر، يظهر في أيام العيد. كنا نصغي بدهشة، نقترب من بعضنا، ونعيش الحكاية كأنها حقيقة.
وفي اليوم الثاني، كنا ننتظر العيدية بشغف يفوق سقف السماء، وعندما نحصل على ريالين، نشعر بفرحٍ عظيم لا يُنسى. ثم نذهب إلى السوق القديم، نبحث عن كروت صغيرة لا تُباع إلا في دكاكين البانيان.
كانت بطاقات بريدية ملوّنة، تُطبع في الهند، تحمل صورًا تدهش الروح قبل العين، نرى فيها مدنًا بعيدة، ومعالم لا نعرفها، وشواطئ وجبالًا كأنها من عالمٍ آخر. من خلالها تعرّفنا على العالم، واكتشفنا مواقع سياحية وبلدانًا كثيرة، وكأن تلك البطاقات كانت نافذتنا الصغيرة على اتساع الدنيا.
كنا نعود بها ككنوزٍ صغيرة، نحملها بكل فخر، نقلبها بين أيدينا، ونتأملها طويلًا، ونحكي عنها كأننا زرنا تلك الأماكن فعلًا.
كانت تلك التفاصيل الصغيرة هي العيد: صوت المدفع، رائحة القهوة، دفء الحنّة، ضوء السراج، حكايات الجدة، طعم اللقيمات، نداء البحر، وركض الطفولة بين الأزقة.
لم يكن العيد آنذاك مجرد مناسبة، بل حياة تُعاش بكل تفاصيلها، ذاكرة تُحكى وتُحفظ، وتبقى حيّة فينا، تهمس بأن أجمل الأعياد ليست تلك التي نراها، بل تلك التي نسكنها… وتبقى تسكننا
