خاص- شؤون عمانية
أكد عدد من الكتّاب أن وسائل التواصل الاجتماعي شهدت في السنوات الأخيرة تحولت كبيرا وانتشارا واسعا للمحتوى الإلكتروني، لافتين إلى أن هذا المحتوى يتضمن “تفاهات” تغزو الكثير من المنازل.
وقالوا إن هذا الانتشار لـ”التفاهات الإلكترونية” يفرض على المجتمع تحديا حقيقيا يتمثل في كيفية الحفاظ على القيم الثقافية والوعي الإنساني والفكري، أمام سيل من الفكر المتردي يجرد الخطاب النوعي الفكري من حقيقته.
وأشار الكاتب عبدالله الشعيبي إلى أهمية توخي الحذر المجتمعي من الاستخدامات غير الإيجابية لمنصات التواصل الاجتماعي، مبينا: “من الطبيعي أن يكون المجتمع – بمختلف فئاته وشرائحه – جزءاً من عملية المواكبة للتغيرات، فالتحوّل والتبدّل وتغيّر المنظومة العامة للمجتمع سنّة من سنن الكون، فلا شيء يبقى على حاله، وبذلك يصبح المجتمع في سياق تبدّليّ في الانتفاع من مزايا هذا التحوّل، مع الحفاظ المهم على الجوهر والخصوصية، وخاصة على مستوى الأجيال الحديثة الأكثر مواكبة من سابقاتها، بحكم ما يستجد على مختلف المجالات، والشرائح المجتمعية مبنية – في جوهرها – على منظومة مكونة من قيم ومبادئ وسلوكيات، تحفظ له استمرار خياراته في الحياة، وتمايُزه عن غيره، وعدم المضيّ نحو الذوبان في خارطة سلوكية تتناقض مع جوهره”.
وأوضح: وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من التغيّرات التي لا بد للمجتمع من الانخراط فيها، ليس لأنها جيدة بالكامل، ولكن لأنها ضرورة، وهذه الضرورة مُخاتِلة، فهي على الرغم من قدرتها على جعل مستويات المعرفة والثقافة والتواصل مع العالم ميزة مفيدة، ولكنها – في المقابل – مصدر مفتوح على ما يمكن أن نسمّيَه (تفاهة)، أي أن الجانبين متوازيان، وهذا التوازي يتطلب إدراكاً ووعياً وحرصاً من المجتمع في تعويد الجيل الجديد عليه، أي جيل الأبناء، ومن الطبيعي أن يكون الجيل الأكبر من الأبناء على حرص وحذر أكبَرَين، لأن محتوى (التفاهة) مصمم لهم أيضاً، لكونهم متصفحين مستهدفين بمختلف أنواع محتويات منصات التواصل الاجتماعي، من مواد مقروءة ومرئية ومسموعة، فضلاً عن المحتوى الإعلاني، ومن الزاوية هذه، يمكن تبيّن ما يحيط بمُتصفّحي (المحتوى التافه) من تعويد على سلبيات قد تشكل تراكماً يصعب التخلص منه في مرحلة لاحقة من العمر، ليصير إدماناً عميق التأثير، وقادراً على تشكيل وتغيير مستويات التفكير، من خلال حَرْفِ التصفح عن مساره من ناحية، وحَرْفِ التراكم في اللاوعي من ناحية ثانية، وتأصيل تراكم جديد لدى الجميع من ناحية ثالثة.
ويشدد الشعيبي: الوضع بحاجة إلى تكريس عميق للإدراك حول تمييز واضح بين ما هو (تافه) وما هو (ناضج)، ولكي يتحقق ذلك، يحتاج الفرد في المجتمع إلى توعية ذاته، ويحتاج المجتمع إلى إدراك رسالته الوجودية تجاه من يمثلهم ومن يدفع بهم نحو المستقبل، بأن تأتي المسؤولية من داخله، وليست من خارجه، فالتوعية مهمة، لكنها غير كافية إذا كان المجتمع لا يرغب في حماية نفسه وتمييز ما يمثله جوهراً وقيماً.
بدوره. قال الكاتب والأديب عادل الحمداني: دائمًا ما أنظر لتنامي “التفاهة” في مواقع التواصل الاجتماعي على أنها واحدة من أخطر الأسلحة التي تواجه القيم المجتمعية والتربية الحديثة بعد الجهل وغياب الوعي، فصناعة التفاهة، كما أرى، ليست مجرد ظاهرة سطحية، بل تفاعل معقد بين منصات هدفها الانتشار وأفراد غرضهم الربح المادي السريع، وقد حصل الطرفان على مبتغاهم من خلال المحتوى التافه – بطبيعته السهلة والسريعة والمثيرة للجدل – ليكون الأكثر انتشارًا.
وأضاف الحمداني: من وجهة نظري، فإن الابتذال الذي نشاهده في تلك المنصات بلغ حدًا مقززًا، وهو نتيجة مباشرة لمنطق قائم على تعظيم التفاعل والربح بأقصر الطرق، حيث يتم مكافأة المحتوى المثير والسطحي على حساب المحتوى الجاد والمفيد، وهذا الأمر يقود في النهاية إلى تشويه الذوق العام وتغييره ليفقد معناه وقيمته، والمشكلة هنا أن هذا الابتذال، مع التكرار والانتشار السريع بين شرائح المجتمع، ينظر إليه اليوم على أنه معيار غير معلن للنجاح، فيما ينظر إلى الخطاب الرصين وذو الفائدة المعرفية على أنه ممل وغير قابل للانتشار، والبعض ينظر لهذا الابتذال على أنه من باب الترفيه، وبالتالي يتحول إلى نمط سلوكي يتعامل مع الآخرين كونهم شريحة مستهلكين ضعيفة غير قادرة على التأمل والنقد والتركيز.
ويؤكد بقوله: تجربتي في الحياة علمتني الانتباه لبعض السلوكيات التي نراها منتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلمتني مقاومة تقبلها ومحاولة حماية أسرتي منها، لكن المشكلة هنا تكمن في أن الفرد لا يمكنه وحده مواجهة كل تلك الرسائل التي تتوزع في الكثير من المواقع ولدى مجموعة كبيرة ممن امتهنوا كل هذه التفاهات، وأرى أنه من الضروري تكثيف الحملات الإعلامية الهادفة لوقف تيار “التفاهة” من خلال إعادة الاعتبار لفكرة الذوق العام، وتعظيم التفكير النقدي، وكذلك صناعة محتوى يحترم عقل المتلقي، وأيضًا وضع ضوابط قانونية تجرم أي تجاوزات أو إسفاف أو تعدٍ على قيم المجتمع وحدوده الدينية والأخلاقية.
ويتابع: أرى أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق ثلاثة أطراف رئيسية: المنصات المسؤولة أخلاقيًا عن خوارزمياتها، وصناع المحتوى المطالبين بوقف انحدار محتواهم وعدم التفريط في القيم، والطرف الثالث، الجمهور نفسه الذي يجب عليه تنمية وعيه الاستهلاكي والانتباه للأثر الذي سيلتصق به من وراء ما يتابعه في الفضاء الرقمي.
أما الكاتب إبراهيم المحروقي فيقول في هذا الجانب: لم تعد صناعة التفاهة في وسائل التواصل الاجتماعي مجرد محتوى خفيف أو ترفيهي عابر، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية مؤثرة تسهم في إعادة تشكيل الذوق العام، وتوجيه الاهتمامات، بل والتأثير في منظومة القيم لدى فئات واسعة من المجتمع، وهذه الظاهرة تنمو في بيئة رقمية تكافئ الإثارة السريعة، وتمنح الشهرة لمن يثير الضجيج لا لمن يصنع الأثر.
وذكر المحروقي: اجتماعيًا، يمكن رد أسباب انتشار التفاهة إلى ضعف الوعي الإعلامي، وغياب التربية الرقمية، إضافة إلى الفراغ القيمي الذي يُملأ بمحتوى سطحي سهل الاستهلاك، كما أن انسحاب أصحاب الفكر العلمي والأدبي، وأهل الاختصاص والمعرفة من فضاء التواصل الاجتماعي أفسح المجال أمام ما يمكن تسميتهم بـ«مشاهير التفاهة» لاحتلال المشهد والتأثير في الوعي الجمعي.
وأكد أن مقاومة هذه الظاهرة تتطلب حلولًا متكاملة، في مقدمتها رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية المحتوى الهادف، وضرورة دمج الخطاب القيمي والوعظ الديني الرشيد في وسائل التواصل الاجتماعي بأساليب معاصرة قريبة من الناس تُبرز القدوات الحسنة وتعيد الاعتبار للأخلاق والسلوك الإيجابي، كما تبرز الحاجة الملحّة إلى أن يدرك أصحاب الفكر العلمي، والأدبي، والثقافي، وأهل الاختصاص في مختلف العلوم مسؤوليتهم الاجتماعية، وأن يبادروا بالنشر والتفاعل ليكونوا هم المؤثرين الحقيقيين، ويسدّوا الفجوة التي خلّفها غيابهم.
وأوضح أنه يقع على عاتق المؤسسات الحكومية دور محوري، من خلال دعم المؤثرين غير التفاهيين ـ إن صح القول ـ واستضافتهم في المؤتمرات والفعاليات، وتسليط الضوء على أفكارهم ومبادراتهم، إضافة إلى ذلك تبرز أهمية صياغة تشريعات وقوانين حديثة تُنظم المحتوى الرقمي، وتحد من الظواهر المخلة بالقيم والمبادئ العُمانية، دون المساس بحرية التعبير المسؤولة. وشدد قائلا: إن مقاومة التفاهة ليست معركة ضد أشخاص، بل هي مشروع وعي طويل الأمد هدفه بناء إنسان متزن، ومجتمع يحسن الاختيار، وفضاء رقمي يعكس عمق القيم العُمانية وأصالتها.
وفي السياق، اوضح الكاتب والشاعر سالم بن سيف الريسي أن صناعة التفاهة أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد الوعي المجتمعي ككل، إذ عملت وبكل أسف على تحويل المحتوى السطحي إلى مادة تهمّش القيم النبيلة في المجتمع وتقدّم قدوات سلبية بشكل مخيف يتأثر بها الشباب بشكل كبير، مضيفا: وبكل أسف، بالرغم من سلبية هذه الظاهرة فإنها تلقى قبولًا واسعًا ويتزايد انتشارها يومًا بعد يوم، بينما يغفل كثير من الأفراد عن المحتوى الرصين والقيم النبيلة.
وأشار الريسي إلى تعدد أسباب انتشار مثل هذه الظاهرة، وفي مقدمتها قلة التثقف وغياب الوازع الديني والمجتمعي لدى البعض، وقد تدفعهم أحيانًا ضغوط حياتية نحو محتوى سهل وسريع الاستهلاك، إلى جانب التطور التقني الكبير الذي جعل الوصول إلى هذه المواد أمرًا سهلًا ومبسطًا، في ظل تطور أدواتها بفضل ما تقدمه الخوارزميات والبرامج المساعدة التي تتيح عرض المحتوى بشكل ملفت ومبتكر, مبينا: لا ننسى مساهمة العروض المغرية والهدايا والجوائز القيمة التي يقدمها البعض في تعزيز تفاعل الأفراد مع هذه المحتويات، ما أدى إلى تكريس سلوكيات مبتذلة وابتعاد الشباب عن الاهتمام بالقيم الأصيلة التي يتمتع بها المجتمع.
وقال إن المجتمع اليوم يتحمل بأسره مسؤولية التصدي لهذه الظاهرة الخطرة، خاصة بين الشباب، من خلال نشر الوعي بأهمية الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية والأخلاقية، والتمسك بالقيم والعادات والتقاليد العمانية الأصيلة، والابتعاد عن التسطيح بكافة أشكاله، مع الالتزام باستخدام وسائل متعددة للتوعية، سواء عبر الأسرة أو المدرسة أو وسائل الإعلام التي أصبحت حاضرة بكل سهولة ويسر في يد المتابع، بهدف بناء جيل واعٍ قادر على التمييز بين المحتوى النافع والمحتوى التافه، وحماية نفسه من التأثيرات السلبية التي تهدد شخصيته ومجتمعه. وأكد أن مواجهة صناعة التفاهة واجب جماعي لا فرديًا، مع ضرورة استجابة الجميع، كونها ليست مجرد مضيعة للوقت، بل تهديد حقيقي للقيم والمبادئ، تتصل بجيل يتحلى بالوعي والمسؤولية، وله دور كبير في صون المجتمع مما توجده التفاهة من صناعة حقيقية للتسطيح.
