عصماء بنت محمد الكحالية
في زمنٍ سريعِ الأحكام، هشِّ الذاكرة، مرتفعِ الصوت،
صار الأب أولَ المتهمين،
وأقلَّ من تُستدعى سيرتُه كاملةً إلى منصة الإنصاف.
يُحاكَم الأب اليوم بعبارة،
ويُدان بموقف،
ويُختزل في لحظة غضب،
كأن السنين التي سبقته لم تكن،
وكأن تاريخًا طويلًا من الرعاية والحِمل الثقيل والاحتمال لا يُعدّ من الأدلة.
الأب ليس خطيبًا مفوّهًا،
ولا صاحبَ خطابٍ عاطفيٍّ مُنمّق.
هو رجلٌ تشكّل وعيُه في زمنٍ كانت فيه الأفعال تُغني عن الشرح،
وكان الصمتُ فضيلة،
وكان التعبُ يُخفى لا يُعلن.
فجاء إلى هذا العصر وهو يتكلم لغةً لم تعد رائجة،
ويُحاسَب على ما لم يتعلم الإفصاح عنه.
قسوته ليست سلوكًا مجانيًا، بل أداةَ تربيةٍ نشأت في بيئةٍ لا ترحم الضعف، وصرامته ليست كراهية، بل محاولةً أخيرة لتهيئة الأبناء لعالمٍ لا يعتذر.
الأب لا ينظر إلى أبنائه بوصفهم ما هم عليه الآن، بل بما سيُطلب منهم لاحقًا، حين يغيب هو، ويبقى الاسم، والمسؤولية، والاختبار.
يعرف الأب أبناءه معرفةً لا تُدرَّس ولا تُكتسب؛
يعرفهم من مشيتهم،
ومن طريقة صمتهم،
ومن ردّات فعلهم حين لا يراقبهم أحد.
يعرف من يصلح للحِمل،
ومن يحتاج مزيدَ وقت،
ومن إن أُسند إليه الأمر خانته نفسُه قبل أن يخون غيره.
لذلك حين يثق فهو لا يُجامل، وحين يختار فهو لا يخطئ غالبًا.
الثقة عند الأب ليست مكافأةً عاطفية، بل تكليفٌ أخلاقيٌّ ثقيل، ومن يُمنحها ثم يُهملها لا يخسر رضاه فقط، بل يخسر مكانته في معادلة الاحترام التي لا تُعاد صياغتها بسهولة.
غير أن المفارقة المؤلمة
أن هذا كله يُلغى أمام سوء فهمٍ عابر،
أو شدّةٍ غير موفّقة،
أو كلمةٍ خرجت في لحظة إنهاك.
فيدار الظهر للأب، ويُنسى أنه كان يومًا الساترَ حين انكشف الجميع،
والثابتَ حين تراجع الكل، والحائطَ الأخير قبل السقوط.
لسنا هنا لتقديس الآباء، ولا لإنكار أخطائهم، بل لإعادة النقاش إلى ميزانه العادل.
فالأب، كغيره، يخطئ،
لكنه يخطئ وهو يحمل همًّا لا يحمله أحدٌ عنه،
يخطئ وهو يفكر بعواقب لا يفكر بها الأبناء بعد،
يخطئ وهو يحاول أن يكون صلبًا في عالمٍ لا يرحم الهشّين.
إن أخطر ما نرتكبه اليوم ليس قسوة الآباء، بل قسوة الأحكام عليهم:
أن ننسف تاريخ رجلٍ كامل بسبب لحظةٍ لم نُحسن فهمها، وأن نُسقط مقام الأب لأننا لم نُحسن قراءة لغته.
فانتبهوا:
ليس كل من قسا ظالمًا،
ولا كل من صمت مُهمِلًا،
ولا كل من اشتدّ قلبه فارغًا من الرحمة.
وحين تفكر أن تُدين أباك،
تذكّر فقط هذا السؤال الثقيل:
من كان سيحملك
لو قرر هو أيضًا أن يتخلّى؟
