منى بنت سالم المعولية
“إننا في راحة تامة مع السادة الألمان جيراننا لسبب واحد; لأننا لانقرأ ما يكتبون، وهم لا يفهمون ما نكتب”
هذا ما قاله الفيلسوف الإنجليزي جون لوك رداً على الفيلسوف الألماني لايبتنز، وأساس الموضوع الذي أفضى إلى هذا الرد الاستعلائي والمتكبر من فيلسوف القرن السابع عشر هو أن جان لوك عارض وانتقد الفكرة الديكارتية عن العقل وانتقد ديكارت بشدة، فكتب لايبتنز خطاباً رداً على تلك الإنتقادات وبعثه إلى لوك مع صديق له، غير إن لايبتنز لم يتلقى الجواب من لوك وتجاهله تماما، مما جعل لايبتنز يغضب غضبا شديدا ويبعث إليه رأيه وانتقاده لفكرته، فرد لوك بالعبارة أعلاه مما حدا بلايبتنز أن يأخذ كتابه الذي انتقد فيه ديكارت المعنون بالفهم البشري، وأخذ يحلله، لا بل يفصله تفصيلاً دقيقاً وأسماه على غرار كتاب لوك “محاولات جديدة في الفهم البشري” فكانت هذه الحادثة هي أكبر معركة فعلية في نظرية العقل.
حين انتهى لايبتنز من الكتاب كان خبر وفاة جون لوك قد ورد، مما دفعه إلى الاحتفاظ بالكتاب دون نشره احتراماً لميتٍ لن يستطيع الرد على الانتقادات التي تطرق إليها، ولكن نُشر الكتاب بعد وفاة لايبتنز نفسه.
يقول الفيلسوف الألماني إن جون لوك رفض الحوار، وبنى كتابه على شخصيتين شخص يرمز إلى جون لوك وشخص يعبر عن وجهة نظره
شد أحبال ذهني وانتباهي تغطرس لوك وهو قامة فلسفية اجتماعية وأحد أعمدة نظرية العقد الاجتماعي التي أثرت على الفلسفة الحديثة وعليه ربما استند الفيلسوف جان جاك روسو وتأثر به وأكمل مسيرة صياغة العقد الاجتماعي، ولا أعتقد يومها إن لوك كان قد عرف أهمية لايبتنز وإنه فيلسوف لايقل عنه أهمية في القرن السابع عشر.
وبرغم من إن القصة جذبتني وإني لست مع الرد الاستعلائي للوك، ولكن هذا ما جعلني أبتسم في نفسي، وأقول أن هذا أحد فنون الرد وقصف الجبهات حديثاً، ومنذ الأزل والصراع الفكري موجود، إلا إن هذا الصراع ما لم يكن مدعوما بالحوار والاستماع وغيره فلن يكن له أي تجديد وتحديث في الفكر ولن يربو عن كونه مزايدات ومشاحنات ومهاترات عميقة لاتفضي إلى نتاج معرفي حقيقي، لأن أساس المعرفة هي تدافع بين الفكرة ونقيضها حتى يثبت كل واحد للأخر وجهة نظره.
أتمنى ألا نحذو نهج لوك في هذه الحادثة، وأن نكون على توافق مع الجيران، أي جيرة أعنيها هنا سواء كانت الواقعية أو تلك التي تتربع على أرض المجاز أن نقرأ ما يكتبون وأن يحبون أو أقلها يفهمون ما نكتب.
