ليلى بنت قاسم البلوشية
كل إناءٍ ينضح بما فيه، مقولة تختصر عالماً من الحقائق النفسية والإنسانية العميقة. فما يتسرّب إلى دواخلنا من أفكار ومشاعر، ينعكس حتماً على سلوكنا، أقوالنا، وأفعالنا. القلب والعقل ليسا مجرد أوعية خاملة، بل هما مرايا حساسة لما نغذيهما به، سواء عن وعيٍ أو دون قصد.
صحيح أن الإنسان لا يملك السيطرة المطلقة على كل ما يتسلل إليه من مؤثرات؛ فثمة ظروف تُفرض عليه، وثمة مواقف تُزرع في طريقه بلا إذن أو تمهيد. ومع ذلك، تبقى له إرادة التصفية، وحرية الاختيار فيما يحتفظ به وما يُلقيه خارج أسواره النفسية. فإن دخل الحزن، فليكن مؤقتًا، وإن تسللت الكراهية، فليُطردها بنور الرحمة، وإن خيم اليأس، فليُبدله بالأمل.
ليس المطلوب أن يكون الإنسان خاليًا من العثرات الداخلية، فهذا وهم. لكن الحكمة تكمن في الوعي بها، وتوجيه البوصلة نحو الصفاء الذهني والنقاء الروحي. أن تروض نفسك على ألا تكون مرآة عمياء لما يُلقى فيها، بل أن تكون فلترًا واعيًا، ينتقي الخير ويقصي السوء، ويختار أن يفيض بما يزرع الطمأنينة لا القلق، وما يبني لا يهدم.
وهكذا نسمو، حين نُدرك أن الداخل هو الأصل، وأن التغيير لا يبدأ من الخارج، بل من النقطة التي لا يراها أحد سوانا: دواخلنا.
