د. حبيب بن مرهون الهادي
باحث في التاريخ الحضاري والعلاقات الدولية
شكّلت الدولة البوسعيدية منذ قيامها عام 1744م نموذجًا رائدًا في إدارة العلاقات الخارجية بهدوء ومرونة، حيث استطاعت أن تحوّل محيطها الإقليمي والدولي إلى شبكة واسعة من المصالح المشتركة التي عززت مكانتها السياسية والبحرية، وكانت علاقتها بالدولة العثمانية مثالًا واضحًا على هذا التوازن الإيجابي؛ فعلى الرغم من تمسّك عُمان باستقلالها الكامل عن نفوذ العثمانيين، فإنها حافظت على أبواب التعاون مفتوحة عندما تطلّبت الظروف ذلك، وكان أبرز الشواهد حادثة حصار البصرة عام 1775 حين طلبت السلطات العثمانية دعمًا عسكريًا عاجلًا، فاستجاب الإمام أحمد بن سعيد بإرسال أسطول عُماني ساهم في فك الحصار وإنقاذ المدينة، وهو موقف أكّد للعثمانيين أن عُمان قوة عربية مستقلة قادرة على لعب دور داعم لاستقرار المنطقة، مما أتاح علاقات هادئة بعيدة عن الصدام. وفي علاقتها ببريطانيا، اتسمت السياسة البوسعيدية بقدر كبير من الذكاء؛ إذ نجحت عُمان في الاستفادة من القوة البحرية البريطانية لحماية طرق التجارة دون أن تتنازل عن قرارها السيادي، فكانت معاهدة 1798 بداية لشراكة قائمة على مصالح متبادلة لا على تبعية، وقد استفادت بريطانيا من الموقع البحري العُماني بينما استفادت عُمان من انتظام الملاحة ودعم نفوذها في المحيط الهندي وشرق أفريقيا، مما عزز ازدهار التجارة العُمانية عبر القرن التاسع عشر. وفي علاقتها بمصر، برز الطابع الإيجابي للدبلوماسية العُمانية بوضوح، فعلى الرغم من قلق القوى الإقليمية من مشروع محمد علي باشا التوسعي في البحر الأحمر، اختارت عُمان طريق التقدير المتبادل وتجنّب التصادم، في مشهد يعكس العلاقات الودية التي استطاع البوسعيديون ترسيخها مع قوة إقليمية صاعدة دون فقدان توازنهم السياسي. وامتدت هذه المرونة إلى علاقتها بالهند التي شكّلت أحد أهم محاور التجارة العُمانية في المحيط الهندي، وشكّل التجار العُمانيون الذين يترددون على الموانئ الهندية موسمياً جسورًا تجارية مهمة عززت تدفق البضائع بين الطرفين، بينما أسهم انتظام الأسطول العُماني وتوافقه مع نظام الرياح الموسمية في إرساء شبكة بحرية فعالة جعلت الهند عمقًا اقتصاديًا مهمًا يرفد الاقتصاد العُماني ويعزز حضور الدولة البوسعيدية في المحيط الهندي. أما علاقتها بإيران، فرغم طبيعة التنافس التقليدي بين القوتين على سواحل الخليج، استطاعت عُمان أن تحافظ على علاقة إيجابية قائمة على تهدئة التوترات وتشجيع الملاحة الآمنة في مضيق هرمز وتحقيق مصالح تجارية مشتركة، مما ساهم في استقرار المنطقة وفي ايجاد توازن يمنع الاحتكاك المباشر ويتيح استمرار حركة التجارة عبر الخليج العربي. وفي السياق العلاقات مع عرب الجزيرة العربية، لعبت عُمان البوسعيدية دورًا إيجابيًا في محيطها الإقليمي، إذ أسهمت قوتها البحرية في حماية طرق الملاحة، وهو ما استفادت منه مشيخات الخليج كافة، كما ساعدت الدولة البوسعيدية في حفظ توازن القوى بين المشيخات قبل قيام دولها الحديثة، فكانت عنصرًا فاعلًا في الأمن الإقليمي وشريكًا مهمًا في حركة التجارة البحرية. وبلغت الجوانب الإيجابية ذروتها في علاقة عُمان بشرق أفريقيا التي أصبحت مركز ثقل للدولة البوسعيدية بعد انتقال السيد سعيد بن سلطان إلى زنجبار، حيث نجح في بناء منظومة اقتصادية وتجارية متقدمة تقوم على زراعة القرنفل وتجارة العاج وتطوير الموانئ، وفي الوقت نفسه حافظ على علاقات متوازنة مع القوى الأفريقية المحلية ومع القناصل الأوروبيين، مما جعل زنجبار مركزًا عالميًا للتجارة ومركز إشعاع عربي إسلامي في الساحل الأفريقي الشرقي. وهكذا يتضح أن الدولة البوسعيدية استطاعت بمهارة دبلوماسية أن تجعل من علاقاتها الخارجية رافعة لقوتها لا عبئًا عليها، وأن تبني شبكة واسعة من العلاقات الإيجابية مع القوى الكبرى والإقليمية، من العثمانيين والبريطانيين ومصر وإلى الهند وإيران ومشيخات الخليج وشرق أفريقيا، في نموذج تاريخي فريد من الدبلوماسية العُمانية المرتكزة على الحكمة والاتزان وحسن استثمار الجغرافيا البحرية، مما جعل عُمان قوة وازنة في مشهد المحيط الهندي على مدى قرنين.
وقد مثّلت الدبلوماسية العُمانية الحديثة امتدادًا راقيًا للحكمة السياسية العمانية عبر تاريخها العظيم، فقد شهدت في عهد السلطان قابوس بن سعيد نقلة نوعية جعلت من عُمان مركزًا إقليميًا للدبلوماسية الهادئة وحلّ النزاعات. فقد تبنى قابوس منذ بداية النهضة عام 1970 نهجًا قائمًا على الحياد الإيجابي، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وبناء جسور الثقة مع جميع الأطراف. وتمكنت سلطنة عُمان بفضل هذا النهج من أن تصبح وسيطًا موثوقًا في عدد من الملفات الحساسة، مثل الوساطة بين إيران والولايات المتحدة والتي مهّدت للاتفاق النووي، ودعم الحوار اليمني–اليمني، وتخفيف حدة التوتر في الخليج. وقد رسخ السلطان قابوس صورة عُمان بوصفها دولة تتعامل مع العالم بمنطق الحكمة لا الصدام، وبالدبلوماسية لا التصعيد، مما أكسبها احترامًا دوليًا واسعًا.
وفي عهد السلطان هيثم بن طارق، استمرت هذه المدرسة الدبلوماسية بروح متجددة تتلاءم مع التحولات الإقليمية ومتطلبات القرن الحادي والعشرين. فقد أكد السلطان هيثم التزامه بالثوابت العُمانية التاريخية في السياسة الخارجية، لكنه عمل في الوقت ذاته على تعزيز الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسية الاقتصادية بما يخدم رؤية عُمان 2040، وتقوية الشراكات الدولية، وتوسيع حضور سلطنة عُمان في المنظمات العالمية، وتحديث أدوات الحوار والتعاون. كما حافظت السلطنة على علاقاتها المتوازنة مع دول الخليج وإيران والقوى الكبرى، كما حافظت سلطنة عمان على دعم ثابت لغزة إنسانيًا وسياسيًا، فقدّمت مساعدات إغاثية وطبية مستمرة، ودعت في المحافل الدولية إلى وقف العدوان وحماية المدنيين. وتمسكت سلطنة عمان بموقف يؤكد حقّ الفلسطينيين في دولة مستقلة وحلّ عادل يعيد الأمن والاستقرار للمنطقة.
