د. خلود بنت حمدان الخاطرية
جامعة التقنية والعلوم التطبيقية- كلية التربية بالرستاق-
khulood.h.alkhatari@utas.edu.om
تُعَدّ الدولة البوسعيدية محطة تاريخية مفصلية في مسار التاريخ العُماني الحديث؛ إذ تأسست في منتصف القرن الثامن عشر على يد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي كاستجابة سياسية واجتماعية للتحديات التي شهدتها البلاد، والتي تميّزت باضطرابات داخلية وتدخلات خارجية متزايدة. وساهمت دولة البوسعيد في إعادة تنظيم البنية السياسية لعُمان من خلال توحيد أقاليمها المتباعدة وإرساء سلطة مركزية قادرة على ضبط المجالين السياسي والإداري، فضلاً عن إقامة منظومة حكم أكثر استقرارًا مقارنة بالفترة التي سبقت قيامها والتي هيمنت عليها الصراعات القبلية والتنافس الإقليمي. من جانبٍ آخر تمكَّنت الدولة البوسعيدية من التحول بالبلاد إلى فاعل استراتيجي في المحيط الهندي، سيما من خلال تعزيز وجودها في شرق أفريقيا وازدهار مركز زنجبار بوصفه محورًا سياسيًا واقتصاديًا تابعًا للحكم العُماني؛ وذلك عن طريق تطوير قدراتها البحرية والتجارية الواسعة. وعلى الصعيد الدبلوماسي، انتهجت الدولة البوسعيدية سياسة توازن مدروسة في علاقاتها مع القوى الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا؛ الأمر الذي أتاح لها الحفاظ على استقلال القرار السياسي وتجنب الانخراط غير المحسوب في صراعات القوى الاستعمارية.
وعليه؛ شكّلت دولة البوسعيد مجالًا خصبًا للبحث والكتابة لدى المؤرخين العرب والأجانب، بالنظر إلى دورها المركزي في مسار تشكّل الدولة العُمانية الحديثة؛ ففي السياق العربي، تُعدّ أعمال المؤرخ العُماني حميد بن محمد بن رزيق إحدى أبرز المصادر الأولية التي لا غنى عنها لفهم البنية السياسية والحضارية لتلك المرحلة؛ إذ تقدّم مصادر ابن رزيق رواية دقيقة لمسار التأسيس وتجربة الحكم البوسعيدي؛ وذلك من خلال مؤلفيه الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، والشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عُمان بوصفهما من أهم النصوص التي وثّقت لسلاطين البوسعيد. تميز ابن رزيق بثقافته الواسعة وعبقريته الفذّة وإطلاعه على عدد كبير من المصادر التاريخية؛ الأمر الذي أهلَّه أن يكون أحد أقطاب النهضة العلمية التي شهدتها الدولة البوسعيدية؛ ولذا فإن المطلع على مؤلفات ابن رزيق التي تجاوزت عشرة مؤلفات، يدرك أهميتها من جوانب عدة؛ لعل أبرزها تنوع هذه المؤلفات بين التاريخ والأنساب والأدب والشعر مما يجعل مادتها موسوعية الطابع والمحتوى.
وتناول ابن رزيق سيرة السادة البوسعيديين منذ قيام دولة البوسعيد على يد الإمام أحمد بن سعيد عام (1154هـ / 1741م) إلى نهاية عهد السيد سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد بن سعيد عام (1233هـ / 1816م)، مبينًا علاقة حكام دولة البوسعيد بكل من: القواسم، والوهّابية، والبحرين، والفرس، والإنجليز، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية والقوى القبلية. أما على الصعيد الاقتصادي فقد تناول ابن رزيق الأنشطة الاقتصادية التي اعتمدتها الدولة البوسعيدية وفي مقدمتها النشاط التجاري والزراعة خصوصًا في عصر السيد سعيد بن سلطان؛ إذ أدرك السيد سعيد الأهمية المحورية للتجارة بوصفها الركيزة الأساسية للاقتصاد، والعصب الحيوي الذي تقوم عليه استمرارية الدولة واستقرارها، وانطلاقًا من هذا الوعي، تميز السيد سعيد بمهارة تجارية لافتة إلى جانب دوره السياسي؛ فأنشأ أسطولًا بحريًا ضخمًا ، وأبرم عددًا من المعاهدات التجارية مع دول كبرى مثل: بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة والبرتغال، حتى وصفه بعض الباحثين بأنه رجل أعمال ناجح، جرت التجارة في عروقه ميراثًا عن آبائه وأجداده، وورثها بدوره لأبنائه وذريته من بعده.
كما تناول ابن رزيق على الصعيد الاجتماعي، قدوم قبائل الأزد إلى عُمان، بالإضافة إلى وضع المرأة ودورها السياسي، أمثال السيدة موزة بنت الإمام أحمد بن سعيد، والسيدة جوخة بنت محمد بن الإمام أحمد بن سعيد التي كانت داهية عصرها، والسيدة عزة بنت سيف بن الإمام أحمد بن سعيد، إلى جانب تناوله العادات والتقاليد العُمانية الأصيلة، والجوانب الثقافية في البلاد وما رافق ذلك من قيام مؤسسات التعليم، مثل: المساجد، المدارس، والمجالس الأدبية وتشجيع سلاطين البوسعيد للعلم والثقافة مما أثرى الحركة الثقافية في البلاد.
وعليه؛ تُشكل مؤلفات ابن رزيق أهمية قصوى في الكتابة التاريخية العُمانية، سيما كتابيه: الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، والشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عُمان؛ لما تحويه من أحداث ومعارف تاريخية وثقت لفترة زمنية طويلة من تاريخ عُمان بشكل عام وتاريخ دولة البوسعيد على وجه الخصوص. ويدلل على أهمية الكتابين حجم النقولات التي وردت عنها عند المؤرخين الذين أتوا بعد ابن رزيق، أمثال: السالمي في تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، والسيابي في كتابه عُمان عبر التاريخ، بالإضافة إلى الفارسي في كتابه البوسعيديون حكام زنجبار، إلى جانب المغيري وبادجر الذي وصف الفتح المبين بإنه توثيق لتاريخ عُمان.
قائمة المصادر والمراجع
1- ابن رزيق، حميد بن محمد(:1290هـ/1873م). الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين. تحقيق: محمد حبيب صالح ومحمود مبارك السليمي، ط6، وزارة التراث والثقافة، مسقط:2016م
2- ابن رزيق، حميد بن محمد(:1290هـ/1873م). الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان. تحقيق: عبد المنعم عامر، ط1، وزارة التراث والثقافة، مسقط: 1984م.
3- السالمي، عبدالله بن حميد (ت:1332هـ/1913م). تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان. د.ط، مكتبة الإمام نور الدين السالمي، مسقط:2000م.
