ليلى قاسم البلوشية
في مسار اتخاذ القرار، يقف الإنسان في مفترق طرق بين العقل والتجربة، بين التحليل والاستشعار. فبعض القرارات، بطبيعتها، ليست سهلة الحسم، إذ تقتضي زمناً من التريث والتفكر، إلا أن هذا الزمن قد يتحول أحيانًا إلى تكلفة باهظة، حيث تتسع رقعة الخسائر كلما طال التردد أو تأخر الحسم.
في خضم هذا التوتر المعرفي والزمني، يبرز “الحدس” كقوة وجودية أودعها الله في النفس البشرية، لا عبثًا، بل تكاملاً مع أدوات العقل الظاهرة. الحدس، أو الإحساس الداخلي، ليس نقيضًا للمنطق، بل قرين خفيّ له، يعمل حين تغيب الأدلة، أو حين تَبهت الحقيقة بين زيف الوقائع وتعدد الوجوه. فليست كل القرائن التي نراها صادقة، ولا كل المؤشرات حقيقية؛ قد تخدعك الوقائع وتُضلّلك الأدلة، بينما يظل في أعماقك صوتٌ خافت لا يرتاح لشيء ما.
إن الحدس ليس خصمًا للعقل، بل شريكًا في صناعة البصيرة. إن شعورك بعدم الارتياح، أو نفورك من خيار ما، ليس عرضًا يجب تجاهله، بل قد يكون إشارة وجودية من حكمة فطرية وُضعت فيك كي تحميك، أو تُرشدك. تجاهله ليس حيادًا، بل مخاطرة؛ إذ قد يكون هو الدليل الوحيد حين تغيب الأدلة الأخرى.
الخلاصة أن المنهج العقلي وحده لا يكفي دائمًا، واليقين المنطقي قد يخونك في عالم تتقن فيه الوقائع التمويه. لذلك، لعل أعظم القرارات تأتي حين يلتقي العقل مع الحدس، فتولد البصيرة، ويقلّ احتمال الخطأ، وتُحتوى الخسائر قبل أن تستفحل.
وعلى مستوى الإدارة والقيادة، حين تُكبّل يداك القوانين والتشريعات، وتُفرض عليك الأدلة العينية كشرط للتحرك، تقف أمام معضلة أخلاقية وفكرية تتجاوز النصوص، لتلامس جوهر المسؤولية. فماذا يفعل القائد حين يرى الحاجة واضحة، والواقع يصرخ بالتغيير، لكن القانون صامت أو مائل أو متواطئ في صيغته؟
في وجهة نظري، لا يُعذر القائد إذا احتمى بتلك القوانين ليبرر جموده أو يبرئ تقاعسه. *القيادة الحقيقية لا تستند فقط إلى ما هو مكتوب، بل إلى ما هو صائب.* فالحدس، وهو البصيرة التي لا تُقاس بالأدلة ولا تُقيد باللوائح، هو أداة القائد المُلهم، التي إن استُخدمت بحكمة، قادته لاختراق جدران البيروقراطية نحو المصلحة العامة.
القوانين والتشريعات من صنع البشر، وُضعت لتنظيم شؤونهم لا لتقييد إنسانيتهم أو شلّ قدرتهم على اتخاذ القرار الصائب في اللحظة الحاسمة. بل إن أسوأ ما يمكن أن يواجهه مجتمع هو أن تتحول هذه القوانين إلى أغطية لخدمة فئة دون أخرى، أو إلى ستار يُخفي خلفه المسؤول ضعفه أو مصالحه الخاصة.
القائد الحقّ لا يختبئ خلف النص، بل يصنع الموقف، ويعيد تشكيل النص إن تطلب الأمر، وفاءً للمصلحة الوطنية. فالأمم لا تنهض بالقوانين الجامدة، بل بقيادات حية تنبض بالشجاعة والحكمة، وتملك الجرأة على كسر الجمود حين يعوق العدالة، وتجاوز المخاوف حين يتطلب الواجب.
إن تأخرنا لا يأتي من نقص الموارد أو التحديات، بل من أولئك الذين فضّلوا السلامة على الجرأة، واختاروا الحياد في مواطن تستوجب الانحياز الصريح للحق والصالح العام.
