عقيل يوسف عيدان – باحث وكاتب كويتي
من وجهة نظري، على الأقل، تُركز الفلسفة اهتمامها على ما نغفل عنه عادةً لشدَّة وضوحه، مُظهرةً إيّاه في ضوءٍ مختلف، داعيةً إيّانا إلى التأمّل في غرابته المُكتسَبَة حديثاً. وهنا تبدأ مهمّتها الحقيقية: البحث في أسباب حدوث الأمور على هذا النحو . وبدون هذه المرحلة الثانية، تبقى العملية ناقصة.
في كتابٍ جديدٍ لفت انتباهي، عنواناً ومضموناً، أعلن المفكر الكوري الجنوبي الألماني المعاصر بيونغ تشول هان أنه انتهى لتوه من تأليف كتابٍ بعنوان “بدون احترام: أزمة اجتماعية”، من المقرر صدوره مطلع عام ٢٠٢٦، يُحلل فيه فقدان الاحترام كأساسٍ للتعايش الديمقراطي. وفي مؤتمرٍ صحافي لمناسبة حصوله على جائزة أميرة أستورياس لعام ٢٠٢٥، عُقد في أوفييدو (إسبانيا) – قبل أيامٍ – حذّر قائلًا: “الاحترام يحافظ على تماسك المجتمع. ومن دون احترام، تكون الديمقراطية في خطر”. وهو يعتقد أننا نعيش في عالمٍ خالٍ من الاحترام المتبادل، مُعرَّضٍ للعدوان ورفض الآراء المُختلفة. وأضاف مُتشائماً: “إذا دافع أحدهم عن رأيٍ مُختلف، نُعلنه عدوّاً”.
بالنسبة له، بصفته أحد أهم المفكرين المعاصرين في العقدَيْن الأخيرَيْن، يُعدّ فقدان الاحترام مَظهراً من مظاهر أزمة المجتمع النيوليبرالي الحالي. فمع اختفاء المراجع العمودية التي كانت تُعطي المعنى سابقاً، ينشأ نظام “مُسطَّح” حيث يكون كل شيء متساوياً ومستعرضاً وبلا تسلسل هرمي، أو كما قال نصّاً: “إننا نعيش في نظام أُفقي من الاستهلاك والتواصل والمعلومات المستمر، حيث يصبح المجتمع وعاءً فارغاً خالياً من التطلعات أو الهدف النبيل”. وربطَ هان هذا الفراغ بصعود الاستبداد، قائلاً: “هذا الفراغ يدعو إلى الاستبداد، ونتيجة لذلك، ظهرت شخصيات مثل دونالد ترامب. إنه اتجاه سيزداد وضوحاً”.
وجادل بأن الاحترام ليس مجرد موقف شخصي، بل هو بنية عمودية تُنظّم الحياة الاجتماعية والروحية. ويؤكد أن الإطار النظري لهذا الكتاب الجديد عن الاحترام يُشير إلى هذا التخلي عن النظام العمودي.
ولعل ما ذكره هان في مناقشته المقتضبة لكتابه الجديد يعد تذكيراً مفيداً بعدم اعتبار المفاهيم والموضوعات أمراً مسلماً به، بل الخوض فيها عميقاً لفهم معناها الخفي أو نتائجها البعيدة والمشتّتة.
وأخيراً، لا بد لي أن أقول في صراحة إن الرجاحة الفلسفية لبيونغ تشول هان تحُول دون التحزّب في كل وقت.
ولمن لا يعرف هذا المفكر المعاصر، أُذكّر بأن بيونغ تشول هان وُلد في سيول عام ١٩٥٩. أجبرته عائلته على دراسة علم المعادن، فهرب إلى ألمانيا في سن العشرين، دون أن يُتقن اللغة. وهناك، درس الأدب واللاهوت الألماني في جامعة ميونيخ، والفلسفة في جامعة فرايبورغ، حيث حصل على الدكتوراه عام ١٩٩٤ بأطروحة عن الفيلسوف مارتن هايدغر. قام بالتدريس في جامعة بازل (سويسرا) لمدة 12 عاماً وكان أستاذاً للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة الفنون الجميلة في برلين.
