أحمد بن حسن البحراني
حين صدر قرار هيئة الخدمات المالية بإصدار لائحة تنظيم سوق الشركات الواعدة، كان من السهل النظر إليها كخطوة تنظيمية جديدة في مسار تطوير سوق المال العماني. لكن إذا تعمقنا في النصوص وقرأناها في سياق المنظومة الاقتصادية والاجتماعية التي نعيشها، سنجد أن المسألة أكبر من مجرد قواعد إدراج وتداول. نحن أمام محاولة لفتح بوابة جديدة لرأس المال، في وقت يمر فيه الاقتصاد المحلي باختبار صعب بين الحاجة إلى النمو وحماية الاستقرار الاجتماعي.
اللائحة جاءت محكمة من الناحية الفنية، فهي تضع شروطًا دقيقة للإدراج المباشر وغير المباشر، وتفرض متطلبات إفصاح وحوكمة لا تقل عن المعايير الدولية، كما قيدت التداول على فئة “المستثمرين المؤهلين” حمايةً لصغار المساهمين. هذا التوجه يحمي السوق من المضاربة العشوائية ويضمن أن رأس المال المستثمر هو رأس مال واعٍ ومدرك للمخاطر. لكن السؤال الفلسفي هنا: هل يمكن لسوق مغلقة بهذا الشكل أن تنمو في بيئة اقتصادية محدودة السيولة؟
القوة الشرائية في عمان اليوم ليست في أفضل حالاتها. الاقتصاد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، ومع كل هبوط في أسعار النفط تتراجع شهية الاستثمار، خاصة في مشاريع ذات مخاطرة عالية مثل الشركات الناشئة. هنا يبرز التناقض: السوق الواعدة تريد شركات مبتكرة تنمو بسرعة، لكن البيئة الريعية بطبيعتها تشجع على الحذر والبحث عن الأمان المالي لا المخاطرة.
التحدي الآخر الذي لا يمكن تجاهله هو الوضع الاجتماعي، من ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل إلى ملفات المسرحين من العمل. أي خسائر كبيرة في السوق حتى لو كانت من مستثمرين مؤهلين—قد تتحول إلى قضية رأي عام، وهذا يضع الهيئة في موقف صعب بين تشجيع الاستثمار وحماية الثقة العامة في النظام المالي.
من الناحية القانونية، اللائحة تنسجم مع توجهات التشريعات الحديثة مثل المرسوم السلطاني بإنشاء هيئة الخدمات المالية وقانون سوق رأس المال، وهي تخلق إطارًا متكاملًا من الحوكمة والإفصاح. لكنها في الوقت نفسه تحبس السوق داخل حدود “المحترفين” والمقتدرين ماليًا، ما قد يحد من عمق السوق ويجعلها أداة للنخبة أكثر من كونها منصة تمويل شعبية.
ولعل ما حدث في ملف اندماج “عمان للاستثمارات والتمويل” مع “ظفار الدولية” يعطينا لمحة عما يمكن أن تواجهه السوق الواعدة مستقبلًا: اعتراضات من المساهمين، جدل حول عدالة التقييم، ونقاشات قانونية معقدة أمام المحاكم. الفرق أن السوق الواعدة ستكون محصورة بفئة مستثمرين لديهم وعي أكبر وقدرة على المواجهة القانونية، لكن هذا لا يلغي أن النزاعات ستبقى حاضرة طالما أن المصلحة الاقتصادية موضع خلاف.
في الفلسفة، هناك مبدأ يقول إن “القوانين لا تصنع النجاح، لكنها قد تهيئ له الأرضية”. اللائحة الجديدة وفرت الأرضية، لكنها لن تزرع السوق الواعدة وحدها. نجاحها يحتاج إلى سيولة أكبر، تنويع في الاقتصاد، وتغيير في الثقافة الاستثمارية المحلية. وإلا، فإننا قد نجد أنفسنا أمام سوق أنيقة المظهر، لكنها هادئة الحركة، تنتظر زخمًا لم يأت بعد.
