المحامي أحمد بن حسن بن إبراهيم البحراني
معالجة القصور في قانون ٢٠٠٨ واستجلاء المستجدات في قانون ٢٠٢٥
المقدمة
تُعدّ جريمة الاتجار بالبشر من أخطر الجرائم التي تهدد الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية للأفراد، إذ تتجاوز حدود الدول لتصبح جريمة عابرة للحدود، تتشابك فيها المصالح الإجرامية المنظمة، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع، كالنساء والأطفال وعديمي الأهلية وناقصيها. ولقد أولت التشريعات الدولية، وفي مقدمتها بروتوكول باليرمو المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، عناية خاصة بمكافحة هذه الجريمة، وألزمت الدول باتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية لحماية الضحايا وملاحقة الجناة.
وفي هذا السياق، أصدرت سلطنة عُمان المرسوم السلطاني رقم (١٢٦/٢٠٠٨) بإصدار قانون مكافحة الاتجار بالبشر، والذي جاء استجابة أولية للالتزامات الدولية. غير أن التطبيق العملي كشف عن عدد من أوجه القصور في ذلك القانون، سواء على مستوى التعريفات القانونية، أو حماية الضحايا، أو شمولية الأفعال المجرمة، أو الانسجام مع التشريعات الوطنية التي صدرت لاحقًا، مثل قانون الطفل لعام ٢٠١٤ وقانون الجزاء لعام ٢٠١٨.
ومع إدراك المشرّع العُماني لهذه التحديات، صدر المرسوم السلطاني رقم (٧٨/٢٠٢٥) بإصدار قانون جديد لمكافحة الاتجار بالبشر، ليحل محل قانون ٢٠٠٨، متضمنًا معالجة واضحة للثغرات السابقة، ومستحدثًا لأحكام تتماشى مع المستجدات الوطنية والدولية، ومؤكدًا على حماية أوسع للضحايا وتعزيزًا لردع الجناة.
ومن هذا المنطلق، تسعى هذه القراءة القانونية إلى بيان أوجه القصور في قانون ٢٠٠٨، واستجلاء المستجدات التي أتى بها قانون ٢٠٢٥، عبر دراسة تحليلية مقارنة، تستعرض الجوانب الجوهرية في التشريع الجديد، وما يمثله من نقلة نوعية في السياسة الجنائية العُمانية لمواجهة هذه الجريمة الخطيرة.
المحور الأول: التطور التشريعي بين القانونين
١- الخلفية التاريخية لقانون ٢٠٠٨
صدر المرسوم السلطاني رقم (١٢٦/٢٠٠٨) بإصدار قانون مكافحة الاتجار بالبشر كخطوة رائدة آنذاك في التشريع العُماني، حيث لبّى المشرّع متطلبات الانضمام إلى المنظومة الدولية لمكافحة هذه الجريمة، وأوجد إطارًا قانونيًا أوليًا لتعريف جريمة الاتجار بالبشر وفرض العقوبات على مرتكبيها. غير أن القانون، ورغم أهميته في حينه، عانى من قصور في بعض الجوانب، مثل غياب تعريفات دقيقة لمفاهيم أساسية، وضعف الحماية المقررة للضحايا، وارتباطه بمصطلحات لم تعد ملائمة مع التشريعات التي صدرت لاحقًا.
٢- دوافع إصدار قانون ٢٠٢٥
مع مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على تطبيق قانون ٢٠٠٨، ظهرت الحاجة الملحّة لتحديث التشريع، نتيجة عوامل عدة، أبرزها:
تطور التشريعات الوطنية: صدور قانون الطفل (٢٠١٤) وقانون الجزاء (٢٠١٨)، مما أوجد تعارضات نصية ومفهومية مع قانون ٢٠٠٨، خاصة فيما يتعلق بمفهوم “الحدث”.
المستجدات الدولية: تزايد أشكال الاستغلال الحديثة كالاستعباد المنزلي والتسول واستغلال الأشخاص في البحوث الطبية.
التطبيق العملي: كشف عن ثغرات في حماية الضحايا، أبرزها تحميلهم تبعات قانونية أو مالية رغم كونهم مجني عليهم.
٣- سمات قانون ٢٠٢٥
صدر المرسوم السلطاني رقم (٧٨/٢٠٢٥) ليضع قانونًا جديدًا لمكافحة الاتجار بالبشر يتميز بالآتي:
توسيع دائرة التعريفات وإدخال مصطلحات لم يتطرق إليها القانون القديم مثل الرق، السخرة، العمل القسري، الاستعباد المنزلي، التسول، والبحوث الطبية الأحيائية.
تعزيز حماية الضحايا من خلال إعفائهم من الرسوم والغرامات والمسؤوليات الجنائية أو المدنية الناشئة عن وضعهم.
تشديد العقوبات ورفع الحد الأدنى لها، وإضافة جرائم فرعية جديدة مثل نشر بيانات الضحايا أو حجز جوازات سفرهم.
توسيع نطاق التجريم ليشمل الأفعال الحديثة المرتبطة بالاتجار بالبشر، وكذلك معاقبة المستفيدين من خدمات أو أعمال الضحية.
الانسجام مع التشريعات الوطنية، وخاصة قانون الطفل وقانون الجزاء، بما يزيل أي تضارب في المفاهيم أو المصطلحات.
٤- الأثر التشريعي
يمثل قانون ٢٠٢٥ نقلة نوعية، إذ نقل التشريع العُماني من مجرد تجريم أفعال الاتجار بالبشر إلى وضع منظومة متكاملة توفر الحماية للضحايا، وتغلق ثغرات القانون القديم، وتعزز الامتثال للالتزامات الدولية والإقليمي
المحور الثاني: معالجة القصور في قانون ٢٠٠٨
كشف التطبيق العملي لقانون مكافحة الاتجار بالبشر الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (١٢٦/٢٠٠٨) عن عدة أوجه قصور أثّرت في فعاليته، وهو ما استدعى المشرّع إلى معالجتها في القانون الجديد (٧٨/٢٠٢٥). ويمكن بيان أبرز هذه الثغرات على النحو الآتي:
١- القصور في التعريفات
لم يُعرّف القانون القديم مفاهيم محورية مثل الرق والسخرة والعمل القسري، رغم كونها من أبرز صور الاستغلال الواردة في الاتفاقيات الدولية.
اكتفى بتعريف عام لـ”الاستغلال”، ما ترك مجالًا للتأويل، وأضعف من وضوح النصوص الجنائية.
استخدم مصطلح “الحدث” في وصف الضحايا من الأطفال، وهو مصطلح يرتبط في التشريعات الأخرى غالبًا بالجاني لا بالمجني عليه، مما أوجد تعارضًا مع قانون الطفل (٢٠١٤) وقانون الجزاء (٢٠١٨).
٢- القصور في حماية الضحايا
القانون القديم لم يُعفِ الضحايا من التبعات القانونية، فكانوا أحيانًا عرضة لتحميلهم مخالفات قانون الإقامة أو قانون العمل، رغم كونهم مجني عليهم.
لم ينص صراحة على إعفائهم من المسؤولية الجنائية أو المدنية عن الأفعال الناشئة عن الاتجار بهم، الأمر الذي أبقى على مخاطر ملاحقتهم قانونيًا.
الإجراءات الخاصة بحماية الضحايا لم تكن شاملة، إذ لم تلزم بتوفير أماكن إيواء مناسبة أو برامج تأهيل اجتماعي ونفسي.
٣- القصور في نطاق التجريم
لم يتطرق القانون القديم إلى صور حديثة من الاستغلال مثل الاستعباد المنزلي أو التسول أو استغلال الأشخاص في البحوث الطبية الأحيائية.
اقتصرت المادة (٢) من القانون السابق على أفعال النقل والإيواء والاستخدام، ولم تشمل أفعالًا أخرى مثل بيع الأشخاص أو عرضهم للبيع.
٤- القصور في العقوبات
العقوبات المنصوص عليها تراوحت بين السجن (٣ – ٧ سنوات) والغرامة (٥ آلاف – ١٠٠ ألف ريال)، وهو نطاق اعتُبر غير كافٍ في الردع بالنظر لخطورة الجريمة.
لم يتضمن القانون عقوبات على بعض الأفعال المساندة، مثل نشر بيانات الضحايا أو حجز جوازات سفرهم.
٥- القصور في الانسجام مع التشريعات الأخرى
صدور قوانين لاحقة مثل قانون الطفل وقانون الجزاء أظهر عدم مواءمة نصوص قانون ٢٠٠٨ معها.
هذا التعارض أثار إشكاليات تطبيقية لدى القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، خاصة في تحديد صفة الضحية والتكييف القانوني الصحيح للأفعال.
خلاصة هذا المحور:
القانون القديم (٢٠٠٨) مثل نقلة مهمة آنذاك، لكنه جاء بمثابة “مرحلة تأسيسية”، حملت العديد من الثغرات التي أثّرت على فعاليته في حماية الضحايا وردع الجناة. ومن هنا جاءت الحاجة الماسة لقانون جديد أكثر شمولًا وتكاملًا.
المحور الثالث: المستجدات في قانون ٢٠٢٥
جاء المرسوم السلطاني رقم (٧٨/٢٠٢٥) بإصدار قانون مكافحة الاتجار بالبشر ليشكل مرحلة جديدة في السياسة الجنائية العُمانية، حيث عالج أوجه القصور في القانون السابق وأدخل جملة من المستجدات التشريعية التي يمكن حصرها في الآتي:
١- التوسع في التعريفات
نص القانون الجديد في المادة (١) على تعريفات دقيقة لمفاهيم أساسية مثل:
الرق: باعتباره وضع أي شخص في حالة تُمارس عليه سلطات حق الملكية.
السخرة: إجبار الشخص على أداء عمل أو خدمة بغير أجر معلوم.
العمل القسري: الأعمال أو الخدمات التي تفرض عنوة تحت التهديد بالعقاب.
أضاف صورًا حديثة للاستغلال مثل: الاستعباد المنزلي، التسول، وإجراء البحوث الطبية الأحيائية.
استبدل مصطلح “الحدث” بـ “الطفل”، انسجامًا مع التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، وتأكيدًا على أن الطفل ضحية وليس جانحًا.
٢- تعزيز حماية الضحايا
نصت المادة (٢) على إعفاء الضحايا من رسوم العلاج والغرامات المترتبة بموجب قوانين الإقامة والعمل.
أقرت المادة (١٢) بعدم مساءلة المجني عليه جنائيًا أو مدنيًا عن أي أفعال ارتبطت بكونه ضحية اتجار.
نصت المادة (١٤) على إعفائهم من رسوم الدعاوى المدنية عند المطالبة بالتعويض.
أكدت المادة (٩/٢) على إيواء الضحايا في مراكز متخصصة للرعاية الطبية أو النفسية أو الاجتماعية، بما يضمن إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع.
٣- تشديد العقوبات
رفعت المادة (١٧) الحد الأدنى للعقوبة إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة خمسة آلاف ريال.
شددت المادة (١٨) العقوبة إلى السجن من سبع إلى خمس عشرة سنة في ظروف مشددة، مثل: إذا كان الضحية طفلًا أو عديم/ناقص الأهلية أو من ذوي الإعاقة، أو إذا أصيب بمرض خطير، أو إذا ارتكبت الجريمة عبر جماعة إجرامية منظمة أو عبر وطنية.
أضاف القانون جرائم جديدة مثل:
المادة (٢١): تجريم نشر أسماء أو صور الضحايا.
المادة (٢٢): تجريم حجز أو إتلاف جوازات السفر.
٤- تجريم التستر والاستفادة
أعادت المادة (٢٠/١) النص على معاقبة كل من علم بالجريمة ولم يُبلغ، حتى مع وجود سر مهني.
أضافت المادة (٢٠/٢) معاقبة من يُخفي الجناة أو عائدات الجريمة أو معالمها.
أضافت المادة (٢٠/٣) تجريم كل من يستفيد من خدمات أو أعمال يقدمها الضحية وهو يعلم بالجريمة، مع مضاعفة العقوبة إذا كان الضحية طفلًا أو عديم/ناقص الأهلية.
٥- الانسجام مع التشريعات الوطنية والدولية
راعى القانون الجديد التوافق مع قانون الطفل (٢٠١٤) وقانون الجزاء (٢٠١٨).
عزز التعاون الدولي عبر المادتين (١٥ و١٦) بشأن المساعدة القانونية وتسليم المجرمين.
اتسق مع بروتوكول باليرمو واتفاقية حقوق الطفل، مما يجعله أكثر ملاءمة للمعايير الدولية.
خلاصة هذا المحور:
القانون الجديد (٢٠٢٥) لم يكتفِ بإصلاح ما شاب القانون السابق من ثغرات، بل وسّع نطاق الحماية والتجريم والعقوبات، وقدم رؤية متكاملة تجعل من سلطنة عمان أكثر قدرة على مواجهة جريمة الاتجار بالبشر بما يحقق الردع والإنصاف معًا.
. المحور الرابع: البعد الدولي
إن جريمة الاتجار بالبشر لا تقف عند حدود دولة بعينها، بل هي جريمة ذات طبيعة عابرة للحدود الوطنية، ما يجعل مواجهتها مرهونة بالتعاون الدولي والإقليمي. وقد أدرك المشرّع العُماني هذه الحقيقة في القانون الجديد (٧٨/٢٠٢٥)، فعمل على مواءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة.
١- الانسجام مع بروتوكول باليرمو
يُعد بروتوكول باليرمو المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (٢٠٠٠) المرجع الأساسي لتعريف جريمة الاتجار بالبشر ووسائل مكافحتها.
القانون الجديد تبنّى التعريفات الأساسية الواردة في البروتوكول، مثل الاستغلال الجنسي، السخرة، العمل القسري، الرق، الممارسات الشبيهة بالرق.
توسّع ليشمل صورًا إضافية من الاستغلال تتفق مع التوصيات الدولية الحديثة مثل التسول والأبحاث الطبية الأحيائية.
٢- حماية الفئات الأضعف وفقًا للاتفاقيات الدولية
نص القانون الجديد على حماية خاصة للأطفال وعديمي الأهلية وناقصيها، وهو ما ينسجم مع اتفاقية حقوق الطفل (١٩٨٩) التي انضمت إليها سلطنة عمان.
كما أكد على حماية الأشخاص ذوي الإعاقة، بما يتماشى مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (٢٠٠٦).
٣- التعاون القضائي الدولي
خصّص القانون فصلًا للتعاون الدولي (المادتان ١٥ و١٦):
أوجب على جهات إنفاذ القانون التعاون مع نظيراتها في الدول الأخرى في إطار المساعدة القانونية والقضائية، استنادًا إلى مبدأ المعاملة بالمثل.
نظم مسألة تسليم المجرمين، فأخضعها للمعاهدات الدولية وأحكام قانون تسليم المجرمين، مما يعزز القدرة على ملاحقة الجناة أينما وُجدوا.
٤- مكافحة الجريمة عبر الوطنية
نص القانون على أن الجريمة تعتبر “عبر وطنية” متى امتدت إلى أكثر من دولة أو كان التخطيط أو التمويل أو الإشراف من خارج سلطنة عمان.
هذا التعريف يُظهر إدراك المشرّع لخطورة الشبكات الإجرامية المنظمة التي تعمل بوسائل معقدة تتجاوز الحدود، ويؤكد على ضرورة التعاون مع المجتمع الدولي لمكافحتها.
الخاتمة
بعد استعراض نصوص قانون مكافحة الاتجار بالبشر الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (٧٨/٢٠٢٥)، ومقارنته بالقانون السابق الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (١٢٦/٢٠٠٨)، يتضح لنا أن المشرّع العُماني قد خطا خطوة تشريعية بالغة الأهمية في سبيل تعزيز الحماية الجنائية لضحايا الاتجار بالبشر ومواجهة صور الاستغلال المعاصر.
لقد عالج القانون الجديد أوجه القصور التي شابت القانون السابق من خلال:
إعادة صياغة التعريفات بشكل أكثر دقة وتفصيلًا، مع إدخال مفاهيم لم تكن حاضرة سابقًا مثل الرق، السخرة، العمل القسري، التسول، الاستغلال في الأبحاث الطبية الأحيائية.
استبدال مصطلح “الحدث” بمصطلح “الطفل”، مما ينسجم مع قانون الطفل وقانون الجزاء العماني، ويؤكد على أن الطفل هو ضحية لا جانٍ.
إضفاء حماية جنائية خاصة للأطفال وذوي الإعاقة وعديمي الأهلية، وهو ما يعكس توافق التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية.
إعفاء المجني عليه من الرسوم والغرامات المرتبطة بقوانين أخرى، مما يضمن حمايته المادية ويخفف من آثار الجريمة عليه.
تشديد العقوبات وتوسيع نطاقها لتشمل المستفيدين من خدمات المجني عليهم ولو لم يشاركوا مباشرة في الجريمة، مع فرض مسؤولية جنائية على الأشخاص الاعتباريين.
تعزيز البعد الدولي من خلال النص على التعاون القضائي وتسليم المجرمين، بما يحقق انسجام التشريع مع بروتوكول باليرمو والاتفاقيات الأممية ذات الصلة.
إن القراءة المتأنية للقانون الجديد تبيّن أنه جاء ليغطي الفراغات التشريعية السابقة ويعكس التزام سلطنة عمان بالمعايير الدولية، وليؤكد في الوقت ذاته على صون كرامة الإنسان وحماية الحقوق الأساسية للفئات الأضعف في المجتمع.
وبذلك، فإن القانون الجديد لا يمثل مجرد تحديث تشريعي، بل يُعدّ تحولًا نوعيًا في البنية القانونية لمكافحة الاتجار بالبشر في السلطنة، يجمع بين الدقة التشريعية، وحماية الضحايا، والانسجام مع الجهود الدولية.
