محمد بن علي الوهيبي
لتحقيق النجاح في العملية التعليمية، من المهم الابتعاد ما أمكن عن المظاهر الشكلية كالاكتفاء بالملفات ذات الألوان البراقة والمظهر الجذاب والخادع في نفس الوقت، فالأولوية يجب أن تكون لتنمية مهارات المعلمين لتعزيز طرائق التدريس الفعّالة، وتشجيع الطلبة على الحوار والتعبير عن رؤاهم، وتنمية مواهبهم ومهارات التفكير النقدي لديهم، فذلك هو ما يجب أن يسعى إليه التعليم.
وفي منظومة العملية التعليمية يجب أن لا تقتصر جودة الأداء على ما يُخطط له على الورق، بل تُقاس بما يُنجز على أرض الواقع.
وهنا ينبغي أن يعي كل من يهتم بأمر التعليم ومدركاته أن بعض الأشخاص يتقنون رسم الاستراتيجيات والمخططات على الورق، لكنها تفتقر للصلة بالواقع الفعلي للميدان التعليمي كمعرفة ظروف المعلمين والامكانات المتوفرة واحتياجات المتعلمين، ومع ذلك للأسف الشديد قد ينجح بعضهم في تسويق وتمرير تلك الأفكار الشكلية مبتعدين عن مرتكزات التعليم وأولوياته، و”ليس كل ما يلمع ذهبًا”
وهنا تتجلى أهمية الزيارات التعليمية التي ينفذها المعنيون من أصحاب الخبرة في وزارة التربية والتعليم إلى مختلف المحافظات التعليمية، إذ تسهم هذه الزيارات في دعم الميدان التربوي، وتعزيز جودة الأداء التعليمي والإداري والإطلاع على مستويات الطلبة التعليمي، والوقوف على التحديات والاحتياجات، فالمدرسة ليست مجرد مبنى، بل كيان حي يتطلب المتابعة والاشراف والتفاعل المستمر والإشادة بالتجارب التعليمية الناجحة التي تبتكرها بعض المدارس والنظر في إمكانية تعميمها لتحقيق أهداف التعليم.
من التحديات الميدانية التي واجهناهافي ظل الحرص على أداء الرسالة التربوية، لا أنسى رفيق الطريق إلى عدد من المحافظات التعليمية الأخ الفاضل بخيت الظفري، الذي قضى سنوات طويلة في خدمة وزارة التربية والتعليم، كان رحمه الله يحفظ في ذهنه خرائط مواقع المدارس في مختلف المحافظات التعليمية ولديه ذاكرة عجيبة في هذا الجانب.
أود مشاركة هذا الموقف الذي ما زال راسخًا في الذاكرة من بين كثير من المواقف الأخرى: خلال تنفيذنا لإحدى الزيارات التعليمية التربوية، أنهينا أعمالنا في محافظة البريمي التعليمية، حيث كنا نقدم أوراق عمل تتعلق بالإدارة التربوية والجوانب الإدارية والمالية لمديري المدارس، كان ذلك كان خلال العام الدراسي 2005/2006 وقد كان يرافقني حينها الأستاذان ناجي قصب ومحمد الشرقاوي من جمهورية مصر العربية الشقيقة، وكانا من دائرة التدقيق الداخلي، كانت المحطة التالية بعد محافظة البريمي محافظة مسندم، خرجنا من البريمي في ساعة متأخرة من الليل، وكان يرافقنا السائق بخيت الظفري رحمه الله، قاد بخيت السيارة عبر الطريق الذي يعرفه جيدًا منذ سنوات طويلة من إمارة إلى أخرى داخل دولة الإمارات العربية الشقيقة، دون أن نمر بأي من المراكز الحدودية الرسمية، ودون أن يكون ذلك مقصودًا.
واصلنا السير حتى وصلنا إلى مركز حدود إمارة رأس الخيمة، والذي يفصلنا عن محافظة مسندم. هناك طُلب منا إبراز وثائق السفر، فقمنا بخيت وأنا بتقديم بطاقتينا الشخصيتين، بينما طُلب من الزميلين المصريين جوازي سفرهما، وهنا تبيّن لسلطات المركز الحدودي أننا لم نسجّل دخولنا رسميًا إلى دولة الإمارات، ما أثار بعض الاستفهامات.
طلب منا الموظف المختص في المركز الحدودي العودة من حيث أتينا واستكمال اجراءات الدخول، وكان الوقت قد قارب الثانية صباحًا، فأوضحنا له صعوبة الرجوع في تلك الساعة، خاصة وأن العودة تستغرق ما لا يقل عن ساعتين ونصف، ناهيك عن عناء الطريق والعودة مرة أخرى من نفس المسار. طلبنا منه ترتيب لقاء مع المسؤول عن المركز، وعند لقائنا به شرحنا له الملابسات كاملة، مؤكدين أن السائق، وهو من أصحاب الخبرة، قد سلك بنا طريقًا لا توجد فيه نقطة حدودية دون قصد منه.
بعد أن استمع إلى شرحنا وتقديرًا منه لصعوبة العودة في تلك الظروف، ولأننا في مهمة عمل رسمية قدّم لنا حلاً عمليًا، حيث سمح لنا بمواصلة طريقنا إلى مسندم دون ختم مغادرة في جوازي السفر للأخوين المصريين، وكأننا لم ندخل أراضي دولة الإمارات أصلاً.
فشكرناه جزيل الشكر على هذا التعاون والتفهّم.
سقى الله تلك الأيام.
