د. سالم الوهيبي
من أبرز المفارقات المؤلمة في واقع العالم الإسلامي أن الدين – الذي يفترض أن يكون دافعًا للحياة، والنهضة، والعمل والإعمار – تحوّل في الوعي الجمعي إلى مجموعة من الطقوس الفردية المنعزلة عن الواقع، تُمارَس غالبًا تحت مظلة الخوف أو العادة، لا الوعي والرسالة.
فأين ذهب ذلك الفهم الحضاري للإسلام الذي أنتج حضارات عظمى وأسس مدنًا ومؤسسات جامعية وتجارية في قرون الازدهار؟. فالإسلام كما جاء في القرآن والسنة دين إعمار وتكليف ومسؤولية، والإنسان في التصور القرآني ليس كائنًا هامشيًا، بل خليفة في الأرض”وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (البقرة: 30) “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” ((هود: 61). وهذه “الاستعمارية” لا تعني الهيمنة، بل إعمار الأرض بالعدل والإنتاج والخير:
• زراعة
• صناعة
• تعليم
• ابتكار
• تكافل
• محاسبة
■ مظاهر الانحراف عن هذا الفهم:
- تقليص الإسلام إلى الشعائر فقط:
الصلاة والصوم والحج تُمارَس كطقوس معزولة، بينما تغيب قيم العدل، الإتقان، العمل، الشفافية في الواقع. - الانعزال عن الدنيا باسم الآخرة:
كثير من الخطب والوعظ الديني تكرّس صورة المسلم المثالي كـ”منصرف عن الدنيا”، لا “صانع حضارة”.
بينما النبي ﷺ قال: “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها” (رواه أحمد) - غياب فقه العمل والإنتاج:
رغم أن الإسلام رفع من شأن العمل فقال ﷺ: “ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده” (رواه البخاري)، إلا أن الخطاب الديني قلّما يربط الإيمان بالإنتاج والإتقان. - تراجع مؤسسية الزكاة والوقف:
الزكاة – الركن الاقتصادي في الإسلام – لم تُفعّل مؤسسيًا في معظم الدول، وضُيّعت مؤسسات الوقف التي كانت تمول التعليم والصحة والبحث العلمي لقرون. - إهمال فقه العمران والتخطيط والتقنية:
بينما بدأ الإسلام بـ”اقرأ”، لم تعد هذه الكلمة تُقرأ في وزارات التربية والتعليم!
وقد قال تعالى: “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا” (طه: 114)■
■ لماذا غابت هذه المفاهيم اليوم؟
• تسييس الدين: بعض الأنظمة حولت الإسلام إلى أداة للضبط، لا للتحفيز والتغيير.
• احتكار الخطاب الديني: جعله بيد فئات رسمية منفصلة عن نبض المجتمع.
• إغراق الناس بالطقوس بدل الفكرة: حتى أصبح البعض يظن أن “الإسلام هو فقط أن تصلي وتصوم”، لا أن تبني وتعمر وتُحاسب وتُنتج.
■ الخاتمة:
حين يُختزل الإسلام إلى طقوس لا تُترجم إلى عدالة في الأسواق، ولا إنتاج في المصانع، ولا شفافية في الحكومات، فإننا نُفرّغ الدين من روحه، ونتحول إلى شعوب “تتعبد” وهي تُهدر الثروة، وتُفرّط في الأمانة، وتُغلق أبواب النهضة.
إن العودة للإسلام لا تعني فقط “العودة للمسجد”، بل العودة لفهمه كـ مشروع حضاري متكامل، يربط بين الدنيا والآخرة، بين الإيمان والعمل، وبين الروح والعمران.
في المقال القادم، سنتناول كيف صاغ الإسلام منظومة متكاملة للإنتاج والإتقان والعدل، ولماذا غابت هذه القيم عن واقعنا الاقتصادي اليوم.
