د. بدر بن أحمد البلوشي
هو إنسان غير موضوعي، ولديه عصبية جاهلية ظالمة.. وعموماً، كثير من الناس – للأسف – تتجزأ لديهم المبادئ؛ يحبون تطبيقها على الآخرين، ويستثنون أنفسهم منها بكل راحة ضمير.. هذه العبارة لم تعد وصفا لحالة فردية، بل مرآة لعصر كامل تتكسر فيه القيم كلما اقتربت من المصلحة الشخصية.
في عالم أصبح فيه الصوت العالي مقدماً على المنطق، والانفعال مؤشراً على الحضور، لم تعد الموضوعية تُكسب احتراما، بل تفسر على أنها تردد أو ضعف.. وهنا تظهر الجاهلية بثوب جديد، لا يحمل سيفا، بل يلوح بشاشة، ويصنع من التغريدة حكما قاطعا.
الجاهلية الحديثة لا تحتاج إلى خيمة ولا فرس، بل يكفيها جهاز ذكي وبعض المتابعين.. يتحدث أحدهم عن الكرامة وهو يهين الآخرين، ويصرخ مطالبا بالعدالة وهو يمارس أقسى أنواع التحيز والانغلاق.
ما أخطر أن يملك الإنسان لسانا مفوها، ولا يملك ضميرا حيا.. وأن يرفع شعارات المبدأ، ثم يسقط في أول موقف يمس مصالحه، فيتحول من ناقد نزيه إلى جلاد لا يرحم.
النفوس المتضخمة لا ترى خطأها، لأنها لا تنظر إلا من علُ.. تعتقد أن الحق في جيبها، وأنها الوصي الوحيد على الحقيقة.. وكل من يخالفها خائن أو جاهل أو عميل.
الإنصاف لا يكون حين نحب، بل حين نكره.. والعدل لا يُقاس بمدى قربنا من الشخص، بل بمدى اقترابنا من الحق.. لكن البعض لا يستطيع أن يكون عادلا إلا إذا كان الطرف الآخر غريبا، أما الأقربون فلهم أعذارهم المغلفة.
في كل مجتمع يوجد من يختزل القيم في مصالحه، ويقيس الصواب بمقدار ما يخدم وجوده.. هؤلاء لا يحتاجون إلى مناظرات فكرية، بل إلى مرايا أخلاقية تكشف لهم بشاعة التناقض في دواخلهم.
النقاش الحضاري لا يعني تذويب الخلاف، بل احترامه.. والاختلاف لا يُفسد للود قضية، إلا في عقول ضيقة ترى في كل رأي مخالف تهديدا شخصيا.
المبادئ لا تُستخدم كأداة انتقام، ولا كدرع لتصفية الحسابات.. إنها منظومة متكاملة لا تعرف الانتقائية، إما أن نلتزم بها كاملا، أو نعترف بأننا نعيش على هامشها.
الجاهلية الحديثة لا تنبع من الجهل، بل من التكبر.. من الظن بأننا نملك الحق المطلق، ونوزعه كما نشاء، ونمنعه عمن نشاء.. وهذا أخطر من الجهل ذاته، لأنه تغول باسم الفضيلة.
البعض لا يزعجه الظلم بحد ذاته، بل يزعجه أن يقع عليه هو تحديدا.. أما إذا وقع على غيره، فقد يتحول إلى مادة للتسلية أو فرصة للشهرة.. وهنا تموت الضمائر.
المنصات ليست حلبة، والرأي ليس سلاحا، والاختلاف ليس خيانة.. لكن هذه المفاهيم انقلبت حين صعدت الجاهلية الحديثة على أكتاف التقنية، ونزلت الأخلاق عن منابرها.
كلنا نخطئ، ولكن الفرق بين المخطئ الشريف والمخطئ المريب، أن الأول يعترف ويتراجع، أما الثاني فيبرر ويتطاول ويحول الهفوة إلى بطولة.
إذا أردنا مجتمعات ناهضة، فعلينا أن نؤسسها على العدل الحقيقي، لا العدل الانتقائي.. على النقد البناء، لا التوبيخ المهين.. على القيم الراسخة، لا المزاج المتقلب.
لنتذكر دائما أن المبادئ التي لا تُطبق على النفس أولا، ليست مبادئ، بل شعارات جوفاء.. وأن الجاهلية التي ترتدي ثوب الأخلاق، أكثر فتكا من الجهل نفسه..
فاحذروا تلك الجاهلية، وإن جاءتكم محمولة على جناح التقنية، أو ملفوفة بورق ثقافي لامع.
