الحبيب سالم المشهور
في القرن الخامس الهجري، وقف الإمام أبو حامد الغزالي – أحد أعظم عقول الأمة – أمام موجة الجدل الكلامي التي كانت تفتك بالناس وتُزلزل ثوابتهم، فكتب كتابه الشهير «إلجام العوام عن علم الكلام»، واضعًا بذلك حاجزًا بين العامة وبين المباحث الجدلية التي لا تعود عليهم إلا بالشك والاضطراب. لم يكن الغزالي معاديًا للبحث العقلي، لكنه كان يدرك أن الخوض في الفلسفة الكلامية بلا علم راسخ ولا حكمة رادعة، يُفسد على الناس دينهم ودنياهم.
واليوم، وبعد قرون من ذلك التحذير، أجدُ نفسي مضطرا لاستعادة هذا العنوان، فبالأمس رأيتُ في بعض مواقع التواصل جدلا شديدا حول مسألة خلق القرآن الكريم، وهي قضية فلسفية تاريخية، الأصل أننا لا نحتاج إلى بعثها من جديد في مواقع التواصل، فضلا عن ترتيب أحكام التكفير عليها!
ماذا يعني أن يخرج علينا أحدهم بنص منسوب إلى الإمام أحمد بن حنبل فيه تكفير من يقول بخلق القرآن الكريم؟! وللأسف بكل برود يظن هذا الشاب أن هذا السطر المنسوب إلى ابن حنبل يصلح أن يكون حجة لتكفير ملايين المسلمين!!
وغاب عن ذهن هذا الشاب أن أقوال العلماء مهما علت منزلتهم ليست حججا أو أدلة شرعية في الدين، فالعالم يُستدل لقوله لا يُستدل به، هذا على افتراض أننا صححنا نسبة هذا القول إليه!
أعتقدُ أنّ ثقافة التكفير تعكس انقطاعًا عجيبًا عن القرآن الكريم، الذي قدّم لنا العقيدة الإسلامية في أصفى صورها: إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، أصولٌ واضحة يفهمها كل إنسان، فلماذا نترك هذا النور المبين لنغرق في معارك تاريخية عقيمة؟!
إنّ مسألة خلق القرآن الكريم وأضرابها مسائل فلسفية مكان بحثها الكتب التخصصية لمن أحب التعمق في هذا الجانب النظري من تاريخ علم الكلام، ولا يجوز لنا بحالٍ من الأحوال أن نُشغل عامة الناس بها.
ولذلك آن لنا أن نُدرك خطورة ثقافة التكفير، فهي تُهدّد السلم الاجتماعي، وتُمزّق الأمة الواحدة، وهي الخطوة الأولى التي تدفع الشباب لاعتناق أدبيات التنظيمات المسلحة كداعش وأخواتها، فكل كلمة تكفير قد تتحوّل إلى شرارة تحرقُ أمةً كاملةً!
والتكفير الذي نراه اليوم لا يمكن أن يُقدم عليه من فقه الدين بصورته الصحيحة؛ لذلك نجد الإمام الغزالي يقول: “والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل”.
ولا أظنني أكون مبالغا إن قلتُ: إن من يبعث أقوال التكفير من جديد، هو مشارك في هذه الدماء التي تُسفك باسم الله تعالى وباسم الدين!
أشدّ ما يؤلمني في هذا المشهد الغريب، أننا في الوقت الذي نتجادل فيه في مواقع التواصل عن خلق القرآن الكريم، هناك ملايين من إخواننا في غزة يتعرضون لأشد أشكال التعذيب والقتل والتهجير!
وإذا جاز لي أن أقدم نصيحة لكل الشباب أو هواة الجدل الكلامي، فإنني أقول: اتركوا المعارك الكلامية التي انتهت وعليكم بحاضركم، تحركوا في سبيل فهم القرآن الكريم فهما صحيحا، يُساعدكم على النهوض بأنفسكم وأوطانكم وأمتكم، جسدوا القرآن الكريم في كل تفاصيل حياتكم، عيشوا أخلاق القرآن الكريم ورسالة الدين السامية، واحذروا من المعارك الوهمية، وتجنبوا الجدل العقيم الذي لا طائل منه، ورحم الله الإمام الشاطبي عندما قال: “كلُّ مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليلٌ شرعي”.
إنّ العمل هو ما ينبغي أن نستغرق فيه، ويشهد لهذا قول الله تبارك وتعالى: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”، ويشهد له أيضا سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته رضوان الله عليهم.
ديننا دين عمل، لا دين جدل عقيم، وقد لخص أحد العلماء ذلك بقوله: ”إذا أراد اللهُ بعبد خيرا فتح له باب العمل وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عليه باب العمل وفتح له باب الجدل”.
إنّنا أمام لحظة فارقة، فإمّا أن نُعيد فتح أبواب الرحمة والتعايش والعمل، أو نترك نيران الجدل والتكفير تلتهمنا جميعا، وأختم مقالي بكلمة واحدة، لعلها تصلح أن تكون مشروعا لأمتنا: نحن بحاجة إلى تجريم كل أشكال التكفير، أسأل الله تعالى أن يُعيننا على ذلك!
