محمد بن علي الوهيبي
لم تجمعني بك الأيام يا أستاذ أحمد الدغيشي، لا حين كنتَ معلمًا تُنير دروب الطلبة، ولا حين توليت قيادة مدرسة إبن النفيس بالوادي الكبير، تمضي الأعمارُ سريعًا كأنها ومضة في زمنٍ يخطف منا كل ما هو جميل، لم تجمعنا قاعة اجتماع لمديري مدارس مسقط أيام أستاذنا الكبير أحمد الزبيدي في مقر المديرية الذي كان في الوطية، ولم تجمعنا قاعة تدريب ولقاء تربوي، أو مشروع مشترك في دروب التعليم، لكن الأرواح النبيلة لا تحتاج إلى تعارف شخصي لتترك أثرها في الوجدان.
اطلعت على ما كُتب عنك بعد رحيلك عن هذه الدنيا وتأملت السطور التي نُسجت بصدق الحزن وعمق الفقد لإنسان سخي أجاد العطاء، وتأملت ذاك المقطع المصوَّر الذي احتَضنتَ فيه طالبًا بكل ما يملكه العلم من إدراك والقلب من أبوّة، وكرّمتَ فيه إجادته وتميّزه بما يليق بالتربية من سموّ والتعليم من رِفعة شأن.
دون شك أنت يا أستاذ أحمد من الجيل الذي أتى بعدنا في مدارس محافظة مسقط لتكمل مسيرة التعليم الخالدة، ومن الذين حملوا شعلةالعلم من جيل سبق ومضى بها في طريقٍ هو بكل تأكيد ليس طريقًا ممهَّدًا، ذاك هو طريق مهنة التعليم الذي لا يُثمر إلا بالصبر والكفاح والتعب والإيمان بأن التربية قبل التعليم وأن الرسالة قبل المنصب بل أزيد وأقول أهم من كل المناصب، وأن ميدان المدارس هو محراب المعلمين ومن اشتغلوا بالتعليم.
عرفتك من خلال محبة زملائك ومن عايش مسيرتك التربوية وسيرتك التعليمية ودموع من كتبوا عنك، وأيقنت أن من يترك كل هذا الحب خلفه، لم يكن مجرد مدير لمدرسة فحسب بل كان مربيًا آمن بأن التعليم ليس وظيفة، بل رسالة من نور في شوارع الظلام، وأن بناء الإنسان أعظم وأنبل غاية.
نوقن ونؤمن أنك لست بحاجة الآن إلى كلماتنا، فأنت هناك في المقام الأعزّ بين يدي القدير والرحمن الرحيم الذي يكرم الصادقين والمخلصين، لكننا نحن ـ الذين ما زلنا نُسَمِّي أنفسنا أحياء ـ بحاجة لهذا الحديث لنذكّر أنفسنا بأن الراحلين من أمثالك لا يموتون، بل يسكنون في الدعوات ويُستحضرون في المواقف، ويُخلّدون في الذاكرة التربوية والتعليمية للأجيال.
نحن بحاجة لأن نُدرك أن الخلود لا يقاس بطول الأعمار، بل بعمق الأثر وصدق العطاء، وأن كل طالب بلغ النجاح كان خلفه من آمن به ووقف بجانبه بكلمة صادقة ونصيحة نابعة من الحرص على
وطن يستحق أبناؤه الكثير، ويليق به أن يجتهد أبناؤه في خدمته، ويقدّموا له ما يستحق من وفاء وعطاء، وكل معلم واصل طريقه بنصيحة مخلصة هو امتداد لك ولغيرك ممن سلكوا أسمى وأجمل دروب الحياة على هذه الأرض، هم الباقون في ذاكرة الأيام، حتى لو جهلهم زمنٌ عديم الوفاء.
نم قرير العين، أيها التربوي النبيل، فقد زرعت في أرض التعليم ما سيبقى ونسأل الله أن يُنبت لك به غراسًا في الجنة، وأن يجعل علمك وعملك صدقة جارية لا تنقطع.
في وداعك يا أستاذ أحمد الدغيشي نعجز عن إيجاد كلمات تليق برحيلك وبرحيل من يشبهونك في صدق العمل ونبل العطاء فأنتم الآن بين يدي الذي علم بالقلم، وفي مقامٍ أسمى وأرفع من مقام القول، وأشمل وأرحب من كل كلماتنا التي لا تسع الحزن ولا الامتنان.
