الحبيب سالم المشهور
كنتُ أستمع قبل قليل إلى أحد الوعّاظ وهو يتحدث عن أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام، واستوقفني في كلامه جملة خطيرة جدًّا، وهي قوله: “التقصير في حق الصلاة أعظم إثمًا من عقوبة السرقة”، وأعادني هذا الكلام إلى خطابٍ انتشر لأحد الوعّاظ قبل سنوات قال فيه: “تدرون يا شباب، ترك صلاة الفجر أعظم من الزنا بالمحارم”. وفي اعتقادي، فإن مثل هذا الخطاب كارثة أخلاقية، بل هو أشبه باغتيال الصلاة!
ما الذي يدفع أحدنا إلى الحديث عن أهمية الصلاة بطريقة قد يُفهم منها أن الصلاة لا علاقة لها بضبط سلوكنا، أو أننا يمكن أن نقيم الصلاة مع الإعراض التام عن القيم والأخلاق وثوابت الدين؟!
ما الذي يجعل خطابنا الدعوي يلجأ إلى هذا الأسلوب الخطير، وكأننا نعاني من شُحٍّ في النصوص التي تحث على الصلاة وتبيّن عظيم موقعها في الدين؟!
إنّ تذكير الناس بأهمية الصلاة يجب أن يكون مقرونًا برسالة الصلاة السامية، وما رسالة الصلاة إلا إقامة القيم والأخلاق، والعودة إلى الفطرة، وإقامة الدين كلّه!
ولا أظنني جانبت الصواب إن قلتُ إنّ إقامة الصلاة لا تكون إلا بإقامة الشريعة، وأعني بالشريعة ليس خصوص ما اصطُلح عليه بالفقه، بل ما هو أعم من هذا: من أخلاق وآداب وسلوك حسن.
إنّ الصلاة التي يريدها الله تبارك وتعالى، هي تلك الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتقود الإنسان إلى كل فضيلة. فإذا كان نصيبنا من الصلاة إقامة صورتها وإهمال روحها ومقاصدها، فهل أقمنا الصلاة؟!
الصلاةُ التي يريدها الله تعالى منا، هي الصلاة ذات الخشوع، التي تقود المؤمن إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، وتجعل سلوكه منضبطًا، وتحول بينه وبين الغرق في مستنقع الظلم والفساد والغش والخيانة، أو انتكاس الفطرة والعياذ بالله.
نحن بحاجة إلى خطاب ديني يُعيد إلى الدين مركزية القيم الأخلاقية، ويُعيد ربط العبادات بالأخلاق والمعاملة.
فالمبدأ القرآني واضح جدًّا: إنما يتقبلُ الله من المتقين، وهناك حديث قدسي عظيم المضامين يحسن بنا هنا إيراده، ليساعدنا على معرفة الصلاة المقبولة، ويُبيّن لنا ارتباط الصلاة التي يريدها الله تعالى بسلوك المسلم. وهذا نص الحديث القدسي:
“إنما أتقبّل الصلاةَ ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يَبِتْ مُصرًّا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب.”
هناك من يريد أن يُحوّل الصلاة إلى ما يُشبه الطقس الأجوف، وهناك من يظلم ويؤذي خلق الله ثم يظن أن صلاته ستغفر له كل ما اقترفه في حق عباد الله. وما أكثر النماذج المشوّهة للمصلّين! وكل هذا من تلبيس إبليس!
ولعلّ من أسرار قول الله تعالى: “فويلٌ للمصلين”، هو وجود فئات من المصلين على مدار التاريخ حرّفوا الصلاة وابتعدوا عن حقيقتها، وعاشوا حياةً بعيدة كل البعد عن عالم الأخلاق والفضيلة والشعور بالواجب. ورحم الله المعرّي حين قال:
إذا رام كيدًا بالصلاة مقيمُها
فـتاركها عمدًا إلى الله أقربُ!
نحن نحتاج أن نتعلّم الصلاة من جديد. وبتعبير الإمام الغزالي، نحن بحاجة إلى تعلّم أسرار الصلاة، نحن بحاجة إلى تعلم رسالة الصلاة، نحن بحاجة إلى اكتشاف جمال الصلاة، واختبار أثرها العميق على الفرد والأسرة والمجتمع.
لم تكن الصلاة في تاريخ الإسلام الأول طقسًا باردًا، أو وسيلة خداع للنفس وإسكات لصوت الضمير، لقد كانت أعظم قوة عرفها التاريخ القديم. ومن يقرأ سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، سيقف على كثير من جوانب قوة الصلاة وفاعليتها في المجتمع الإسلامي؛ ولذلك قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم:
“واستعينوا بالصبرِ والصلاة”.
وأختم مقالي بكلمة ملهمة لعلي عزت بيغوفيتش يقول فيها:
ليست الصلاة مجرد تعبير عن موقف الإسلام من العالم، إنما هي أيضًا انعكاس للطريقة التي يُريد الإسلام بها تنظيم العالم!
