زكريا بن عامر بن سليمان الهميمي.
*تمهيد:
تناولنا في الجزء الثالث (القسم الأول) أقسام الإسراف بشقيه المادي والمعنوي، وعدد من مظاهر الإسراف المادي لدى بعض الأفراد والمجتمعات، وستتناول هذه الصفحات في الجزء الثالث النوع الثاني من الإسراف وهو الإسراف المعنوي.
*ثالثا: نماذج من الإسراف المعنوي:
إذا كان للإسراف العديد من النماذج المادية، فله أيضا العديد من النماذج المعنوية والتي لا تقل أهمية عن مظاهره المادية، ونذكر من تلك النماذج:
1- الإسراف في الاتصالات الهاتفية:
يوصف العالم بأنه قرية صغيرة نتيجة لثورة الاتصالات الهاتفية التي قربت المسافات، وسهلت التواصل بين البشر، وبالرغم من فوائد هذا النوع من الاتصالات إلا أن البعض قد يسيء استخدامها بسلوك الإسراف ومجاوزة حدود التوسط والاعتدال، ومن مظاهر هذا النوع من الإسراف: الإسراف في المحادثات الهاتفية باستخدام الهواتف النقالة، ومن أهم مظاهر الإسراف الناتج عن هذا السلوك:
أ- الحديث الطويل مع الآخرين بلا مبرر منطقي: فالبعض يتحدث بالهاتف لمدة طويلة بلا مبرر وبلا داع لذلك، فيهدر وقته على تلك المكالمات، ولا يراعي التكلفة المالية التي قد تترتب عليها، كما أنه قد يهدر وقت الآخرين، وكان من الممكن استبدال تلك المكالمات الطويلة برسائل نصية هاتفية قصيرة أقل كلفة وتحقق الهدف المقصود من الاتصال.
ب- المعاكسات الهاتفية: وهي المكالمات التي يهدف صاحبها لإيذاء الآخرين نتيجة لعدة عوامل منها الفراغ والشعور النفسي بالملل وضعف الوازع الديني وضعف الضابط الأخلاقي، فيعد صاحب تلك المكالمات إلى إهدار وقته فيما لا فائدة مرجوة تعود إليه، ويندرج هذا السلوك السلبي أيضا ضمن جرائم الآداب في المجتمع، فتلك المعاكسات الهاتفية إهدار للوقت وإسراف في المال، واعتداء على خصوصيات وحرمات الآخرين.
ج- مسابقات الاتصال الهاتفي السلبية: فتلعب بعض القنوات الفضائية التجارية بالتعاون مع بعض شركات الاتصالات دورا كبيرا في الترويج لمثل تلك المسابقات الهاتفية بهدف الربح المادي البحت والسريع، فقد يطلب من المشتركين مبالغ مالية باهظة نظير اشتراكهم في هذا النوع من المسابقات، لذا على المتصل أن يفكر مليا كي لا يقع ضحية لتلك القنوات فيبدد أمواله ويصل لحد مجاوزة سلوك التوسط والاعتدال.
2- الإسراف في استخدام الشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت):
ومن أهم مظاهر الإسراف فيها:
أ- إدمان الإنترنت:” إدمان الإنترنت Internet Addiction : هو عبارة عن الاستخدام المفرط والمسرف للإنترنت ، حيث يستغرق مدمن الإنترنت وقتا طويلا على الخط ، ومن أكثر الفئات إدمانا للإنترنت طلاب الجامعة ، ويندرج معه إدمان الكمبيوتر “(1) فجلوس البعض أمام الشبكة لفترات طويلة قد يؤدي إلى الإصابة بالإدمان الذي يؤدي لضياع الوقت فيما لا فائدة فيه فهذا النوع من الإدمان يعد سلوك إسراف بمجاوزة حدود التوسط والاعتدال في استخدام الشبكة، والاستخدام الإدماني للشبكة قد يؤثر على مستوى الدخل المالي للفرد، وقد تترتب عليه تبعات مالية طائلة تؤثر على مستواه المعيشي في جوانب الحياة الأخرى الضرورية ذات الأولوية في الإنفاق.
ب- إهدار الوقت على الشبكة في نشر وترويج الشائعات والأكاذيب: إذ يقوم البعض باستغلال الشبكة العالمية استغلالا سلبيا بقصد الإضرار بسمعة الآخرين أو التأثير على وحدة وتماسك المجتمع لتحقيق أهداف سلبية مما يؤدي إلى تضييع الوقت وإهداره فيما لا فائدة مرجوة من وراء هذا السلوك.
ج- الاستخدام المفرط للمواقع الترفيهية والألعاب الالكترونية على الشبكة: فالإسراف في هذا الجانب قد يكون على حساب المواقع التعليمية والثقافية الهادفة أو على حساب الواجبات الدينية أو الاجتماعية، فالإسراف في مثل هذا النوع من المواقع يؤدي إلى إسراف واستهلاك الوقت وقد يؤثر على صحة الفرد.
3- الإسراف في الوقت:
يقال لبيان أهمية الوقت: ” الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك “، و يقول المثل العربي: ” الوقت من ذهب “، و يقابله من الأمثال في اللغة الإنجليزية المثل الذي قاله العالم الأمريكي بنجمان فرانكلن عام 1748 م (Time is money) ” ويعني ” الوقت مال ” (2).
ويقول الشاعر العربي أمير الشعراء أحمد شوقي مبينا قيمة الوقت في الحياة:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني.
وتتمثل مظاهر الإسراف في الوقت في عدة مظاهر منها:
1- استهلاك الوقت في السهر الطويل لفترات متأخرة من الليل بلا مبرر منطقي: كالسهر على متابعة المسلسلات والأفلام، أو مشاهدة المباريات، والسهر على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) لأوقات متأخرة وبلا فائدة فقط من أجل التسلية مما قد يترتب عليه اهدار الوقت وضياع الكثير من الواجبات في اليوم التالي، واعتلال صحة الجسم واضطرابات النوم.
“يقول المثل الإنجليزي:
Early to bed and early to rise makes a man healthy, wealthy, and wise
ويعني هذا المثل: أن النوم باكرا والنهوض باكرا يكسبان المرء صحة وثراء وحكمة، ويترقى فكرة هذا المثل إلى العام 1496 للميلاد، ويقابله في العربية: ” باكر تسعد “) (3).
ويقول المثل الإنجليزي أيضا: ” إذا استيقظت متأخرا، وجب عليك الركض طوال النهار ” (4).
. ويقول المثل الفرنسي: ” باريس هي ملك الذين يستيقظون باكرا “. (5)
2- إضاعة الوقت في الكسل والخمول: سلوك نمط الحياة المتسم بالكسل والخمول والإكثار من النوم هو إهدار وإسراف للوقت الذي يمكن الاستفادة منه في القيام بالكثير من الأعمال المفيدة التي تعود على الفرد بالنفع.
3- استهلاك معظم الوقت في اللعب: فهناك من لا ينظم وقته فيستهلك جل وقته في اللعب على حساب واجبات وأولويات أخرى في الحياة.
4- استغلال وقت الفراغ في ممارسة أنشطة تستهلك الوقت: كالإكثار من الجلوس على المقاهي بشكل دائم ومستمر، وارتياد النوادي الليلية، ومشاهدة التلفاز لفترات طويلة، أو الجلوس على الطرقات ومشاهدة الغادي والرائح بلا هدف سوى تضييع الوقت فيما لا يفيد، وكلها مظاهر تدل على عدم استغلال وقت الفراغ استغلالا أمثل نتيجة لوجود خلل في تنظيم وإدارة الوقت. (Time Management)
4- الإسراف في الكلام:
اللسان هو أداة الكلام، والكلام وسيلة للتواصل والتخاطب مع الآخرين، لكن الإسراف فيه حتى يصل إلى كلام سلبي يعد تجاوزا عن حدود التوسط والاعتدال.
يقال:” من كثر كلامه كثر خطأه”، ويقال: ” إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، ، وقيل أيضا: ” مقتل الرجل بين فكيه “.
” ويقول المثل الفرنسي: ” ينبغي أن تحرك لسانك في فمك سبع مرات قبل الكلام ” (6)، وكل تلك الأقوال تدلنا على أهمية حفظ اللسان، والتوسط والاعتدال في الكلام.
ومن مظاهر الإسراف في الكلام والتي يعبر عنها بآفات اللسان ما يلي:
1- الغيبة: والغيبة هي ذكر الإنسان أخاه بما يكره.
2- النميمة: وهي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد.
3- اللغو في الكلام: وهو الخوض فيما لا يفيد من الكلام الذي يؤدي بصاحبه في الوقوع في الخطأ، ” قال الطبري: واللغو كل كلام أو فعل باطل وكل ما يستقبح كسب الإنسان ،….، كل ذلك يدخل في معنى اللغو الذي يجب أن يجتنبه المؤمن “. (7)
4- السب والشتم: وهو كل كلمة أو عبارة تندرج تحت مسمى الألفاظ البذيئة.
5- الكذب: ويعرف الكذب بأنه: ” عادة واتجاه غير سوي يكتسبه الطفل أو الفرد من البيئة التي يعيش فيها، والكذب هو عكس الصدق الذي يعني مطابقة الواقع في القول والعمل “(8)
والكذب كنتاج سلبي للكلام يزيف الحقائق ويشوهها ويقدمها في صورة مغايرة للواقع، كما أن للكذب آثارا تظهر على نفسية وجسم الفرد الكاذب، وهذه الأعراض النفسجسمية يمكن الكشف عنها بجهاز خاص يسمى جهاز الكشف عن الكذب، ويقيس هذا الجهاز التغيرات الفسيولوجية والنفسية التي تطرأ نتيجة للانفعالات التي تصاحب سلوك الكذب، ومن بينها تسارع ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وهذا يدل على التأثيرات السلبية التي يحدثها الكذب كنتاج للكلام السلبي على نفس وجسم الشخص الكاذب.
6- كثرة الحلف: يدخل ضمن الإسراف في الكلام كثرة الحلف بلا داع لذلك حتى يصبح عادة مستحكمة في النفس، لذا جاء النهي عن كثرة الحلف، فعن ابن عمر – رضي الله عنهما- عن النبي – صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت “. (متفق عليه، البخاري رقم: 6646، مسلم رقم: 1646).
8- بث الشائعات من خلال الكلام: فللشائعات الكلامية الصادرة من الفرد أو المؤسسات المنظمة دور مؤثر في تغيير نمط السلوك لدى الإنسان، لذا تلجأ بعض الجهات إلى إطلاق الشائعات والحملات الدعائية الكلامية المضللة والمؤثرة في خصومها لتحقيق الانتصار على الخصم نفسياً، وهو ما يعرف في علم النفس بمصطلح الحرب النفسية (Psychological Warfare).
5- الإسراف في التفكير:
الإنسان في أصل خلقته كائن مفكر، ويعد التفكير أحد العمليات العقلية الطبيعية التي يقوم بها الإنسان كجزء مهم من تكوينه النفسي.
ولقد تعددت التعريفات حول مصطلح التفكير Thinking فقد عرف باير التفكير على أنه عبارة عن عملية عقلية يستطيع المتعلم عن طريقها عمل شيء ذي معنى من خلال الخبرة التي يمر بها ، في حين يرى ويلسون أنه يمثل عملية عقلية يتم عن طريقها معرفة الكثير من الأمور وتذكرها وفهمها وتقبلها ، بينما اعتقدت هايمان وزميلها سلوميناكو بأن التفكير عبارة عن عملية نشطة تشتمل على أحداث كثيرة تتراوح ما بين الأحلام اليومية العادية والبسيطة إلى حل المشكلات الصعبة والمعقدة ، وأنها تشكل حوارا داخليا مستمرا ومصاحبا لأفعال متعددة مثل القيام بواجب معين أو ملاحظة منظر ما أو التعبير عن وجهة نظر محددة ، ويعرف بعضهم التفكير بأنه يمثل سلسلة من الأنشطة العقلية غير المرئية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير يتم استقباله عن طريق حاسة واحدة أو أكثر من الحواس الخمس ، وذلك بحثا عن معنى محدد في الموقف التعليمي المطروح أو الخبرة التعليمية المتوفرة “( 9) .
وبناء على تلك التعريفات السابقة نرى أن التفكير عبارة عن عملية عقلية يقوم بها الإنسان باعتبارها نوعا من العمليات المعرفية الناتجة عن عوامل داخلية أو خارجية تثير النشاط العقلي حول قضية أو تجربة ما، ويعد التفكير بحد ذاته سلوكا يعبر عن شخصية واتجاهات وميول ودوافع الإنسان، كما يعد نمطا من أنماط حل المشكلات التي قد تعترضنا.
” وقال الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596- 1650 م) عبارته الفلسفية الشهيرة: ” أنا أفكر ، إذن فأنا موجود ” (10) ، وهذه العبارة تدل على أهمية التفكير في حياتنا ، فالأجسام بالرغم من وجودها لا قيمة لها إذا فقدت عنصر التفكير ، فالتفكير ضرورة لإثبات وجود النفس .
وبالرغم من أهمية التفكير إلا أن الإسراف فيه تنتج عنه الكثير من النواتج السلبية لذا يجب أن يؤطر التفكير بأطر دينية وأخلاقية تعد ضوابط صحيحة في تكوين منطق تفكير صحيح وسليم.
وتتخذ مظاهر الإسراف في التفكير عدة أشكال تندرج تحت مظلة التفكير السلبي المجاوز لحدود التوسط والاعتدال، نذكر منها على سبيل المثال:
أ.التفكير في الذات الإلهية : ويعد هذا النمط من التفكير ذو صبغة دينية فقد نهى الإسلام عن التفكر في ذاته تعالى ، ودعا الإنسان إلى التفكر والتأمل في مخلوقاته وما بث في هذا الكون من عجائب صنعه وقدرته تعالى ، وتنزيه الله عن كل ما لا يليق بجلاله فقد قال – صلى الله عليه وسلم – : ” تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنه لا يدرك إلا بتصديقه ” ( رواه الربيع في مسنده – رقم الحديث 823 ) ، ونهت العقيدة الإسلامية عن الخوض في حقيقة الذات الإلهية لأن الإنسان بعقله القاصر لن يتوصل إلى كنه حقيقتها أبدا ، وسيجره ذلك التفكير إلى الانحراف عن العقيدة الصحيحة التي تقتضي نفي التكييف والتشبيه عنه تعالى جلت قدرته ، وقد قال الإمام نور الدين السالمي( ت: 1914م ) في نفي التكييف عنه تعالى :
ولا يكيفه وهم ولا فكر * ولا تحيط به الأقطار مدخلا
ب. التفكير التشاؤمي: Pessimistic Thinking: وهو نوع من التفكير ينظر بسلبية إلى الحياة وما فيها من مظاهر بمنظار أسود معتم، وتوصف أفكار الشخص المتشائم بأنها أفكار سوداوية ناتجة عن نظرة سلبية نحو الحياة، فالمتشائم على سبيل المثال يتوقع حدوث أمور سلبية في حياته ولا يثق في نفسه، ولا يتحمل مسؤولية أعماله التي يقوم بها ويحمل تبعات ما يقوم به على غيره أو على الدهر.
ج. التفكير الخرافي : Superstitious Thinking هو نوع من التفكير البدائي الذي يسود فئات معينة يتسم بالمبالغة وتضخيم الأفكار ، والإغراق في هذا النوع من التفكير الذي يصور الأوهام والخيالات على أنها حقائق يدل على عدم نضوج عقلية التفكير، وهو يعد نوعا من الانسحاب عن عالم الواقع الذي يجب التعامل معه بالعقل والحكمة والعلم والمنطق لحل اشكالياته ومشاكله ، لا بالهروب والانسحاب ، وفي هذا المعنى يقول الدكتور عبد المنعم الحفني : ” ويروج التفكير الخرافي في المجتمعات البدائية ، وأينما تدنت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، والسلوك في الريف وعند العمال كثيرا ما يكون أقرب إلى السلوك الخرافي ، والفلاحون والعمال أكثر من يأخذ بهذا المستوى ، وللمستوى التعليمي وكذلك النضج ، والسن ، علاقة بالاعتقاد الخرافي… ، وكذلك النساء أميل إلى الخرافة من الرجال ، وخاصة فيما يتعلق بالزواج والإنجاب، ويزيد الأخذ بالخرافة وقت الأزمات والنكسات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الصحية ، وقد يلجأ الناس كلما أعوزتهم الحيلة وأعياهم تلمس الأسباب إلى الدجالين والمشعوذين والسحرة ” (11)
د- التفكير الوسواسي : Obsessive Compulsive Thinking :يعرف الوسواس بأنه عبارة عن : ” فكرة أو خيال أو رغبة تأتي بصورة متكررة على التفكير رغم إرادة الشخص ، يحاول طردها ولا يستطيع وعادة تكون مزعجة وتسبب القلق للشخص وتؤدي إلى حدوث مقاومة لديه ” (_12) ، و الوساوس عبارة عن أفكار متسلطة على الفرد بشكل يزعج روتين الحياة اليومية .
هـ- التفكير في عالم أحلام اليقظة : أحلام اليقظة Day- dreams تعرف بأنها : ” رؤى يقظة كالأحلام ، غير أن زمانها النهار غالبا ، وتصنف باعتبارها من ضروب التفكير الذاتي ، وتدفع إليها الرغبات الباطنة …، والكثير من الكبار يلجأون إلى أحلام اليقظة عندما يصابون بالإحباط ويعانون المواقف الضاغطة ، فتعوضهم أحلام اليقظة عن فشلهم وقصورهم أو خيبة أملهم ، ويصنعون من عوالم الأحلام ما يخفف عنهم ما ينالهم من عالم الواقع ، ومن ثم فقد تكون أحلام اليقظة صحية ، ما لم يسرف فيها الطفل أو الراشد بحيث تعوقه عن التعامل مع الواقع بموضوعية ” (13).
وبناء على ذلك التعريف فأحلام اليقظة عندما تتسم بسلوك الإسراف والمبالغة فيها هي نوع من الإغراق في التفكير وتتسم بالعيش المفرط في عالم خيالي مزيف في حقيقته و يصطنعه الشخص بنفسه ، وهو محاولة للانسحاب من الواقع من خلال استخدام وسائل دفاعية انسحابية نتيجة المعاناة من الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فالوضع الاقتصادي المتدني، والفقر البيئي والثقافي، والمصائب والكوارث تجعل الإنسان يفكر في عالم خيالي ابتعادا عن الواقع المؤلم ، وأحلام اليقظة في مثل هذه الحالات تعد نوعا من التفكير السلبي لأنها تبعد الفرد عن مواجهة الواقع بتبني منهج عملي واقعي لحل المشكلات ، بدل الهروب منها إلى عالم خيالي .
و- التفكير العاطفي الزائد: قد يطغى التفكير العاطفي الزائد للفرد عن حدود التوسط والاعتدال على منطق التفكير العقلي السليم فيؤدي بالفرد إلى إصدار أحكام خاطئة عن الكثير من المواقف في واقع الحياة، فتبرز بذلك الكثير من المشكلات التي تؤثر على طبيعة حياة الفرد في المجتمع.
ومن الأمثلة على ذلك النمط من التفكير: التفكير العاطفي الحاد – كنوع من التعبير عن الحزن – على مصيبة ما ناتجة عن فقد عزيز مما قد يترتب عليه الدخول في أزمات نفسية حادة قد تصيب الفرد كالاكتئاب والتوهمات المرضية كالدخول في عالم المغيب باعتقاد أن الميت لم يمت وما يزال على قيد الحياة، وكذلك التفكير العاطفي الحاد حول أزمة ما قد يمر بها الفرد كالأزمات المالية والاقتصادية كتراكم الديون مما يورث الهموم والاكتئاب والقلق النفسي.
وهناك أيضا الغيرة الزوجية ذات طابع التفكير العاطفي الزائد والمبنية على الشك في الطرف الآخر بلا دليل واقعي ن قاطع مما يسبب الكثير من الخلافات الزوجية وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى الطلاق.
وهناك أيضا التعصب الأعمى لرأي ما غير مقطوع فيه وبعيد عن المنطق والعلم والحس السليم، أو التعصب الفكري لمجموعة أو آراء فكرية معينة، أو التعصب لشخصية ما انسياقا لتفكير عاطفي جانح وزائد تنتج عنه اضطرابات وأزمات فكرية في المجتمع.
*الخاتمة:
تناولت هذه الصفحات في الجزء الثالث منها قراءات فكرية في الإسراف المعنوي (غير المادي)، مع نماذج واقعية لهذا النوع لدى بعض الأفراد والجماعات، وسنتناول مستقبلا في الجزء الرابع والأخير من هذه السلسلة حلولا ومقترحات عملية للحد من ظاهرة الإسراف.
*الهوامش:
1- سري، إجلال محمد، الأمراض النفسية الاجتماعية، ص 104.
2- البعلبكي، منير، مصابيح التجربة، ص 90.
3- البعلبكي، منير، مصابيح التجربة، ص 34.
4- قاسم عاشور، أمثال عالمية، ص 52.
5- قاسم عاشور، أمثال عالمية، ص 163.
6- أنظر: قاسم عاشور، أمثال عالمية، ص 173.
7- الصابوني، صفوة التفاسير، ج 2، ص 253.
8- نصر العلي وآخرون، علم النفس التطوري، ص 271.
9- سعادة، جودت أحمد، تدريس مهارات التفكير، ص 39 و ص 40.
10- سليمان محمد الستاوي وسعيد أبو زيد، نظرية المعرفة، ص 60.
11- الحفني، الموسوعة النفسية، ص 5
8.
12- الريماوي وآخرون، علم النفس العام، ص 646.
13- الحفني، عبد المنعم، موسوعة الطب النفسي، ج1، ص 14.
