د. حمد بن مبارك الرشيدي
أصدرت سلطنة عمان قانون تبسيط الإجراءات في بعض الدعاوى بموجب المرسوم السلطاني رقم 125/2020، في خطوة جادة نحو تحديث المنظومة القضائية وتقصير أمد النزاعات. وقد جاء هذا القانون استجابة لمطالب مشروعة تتعلق بتحقيق العدالة الناجزة، وهو ما يتماشى مع القاعدة الشرعية: «تأخير صاحب الحق عن حقه نوع من الظلم».
لكن في مقابل هذه الإيجابيات، فإن استبعاد رقابة المحكمة العليا على الأحكام الصادرة في بعض القضايا يُثير تساؤلات حول كفاية الضمانات العدلية، ويُهدد وحدة الاجتهاد القضائي.
أولًا: مكاسب قانون تبسيط الإجراءات وأثره على القضاء
من أهم ما حققه هذا القانون:
• تقليل زمن التقاضي في الدعاوى البسيطة والمباشرة.
• تبسيط الإجراءات الإدارية والفنية بما يُخفف العبء على المتقاضين.
• إلغاء بعض درجات التقاضي توفيرًا للوقت والجهد.
وقد رام المشرع من ذلك رفع كفاءة القضاء، وتعزيز ثقة المواطن والمستثمر على حد سواء.
ثانيًا: إشكالية استبعاد المحكمة العليا من بسط الرقابة
رغم فوائد التبسيط، إلا أن الاستغناء عن رقابة المحكمة العليا – خاصة في بعض الدعاوى التي يُخشى فيها من الخطأ القانوني – يحمل عدة مخاطر:
- ضياع فرص تصحيح الأخطاء الجسيمة
• قد تقع محكمة الاستئناف في خطأ صريح في تفسير أو تطبيق القانون، دون إمكانية مراجعة ذلك أمام المحكمة العليا. - احتمال تضارب الاجتهادات
• في غياب جهة عليا لتوحيد المبادئ، قد تُصدر محاكم الاستئناف أحكامًا متناقضة في وقائع متشابهة، ما يُخل باستقرار النظام القانوني. - إضعاف ثقة المتقاضين
• المتقاضي الذي يُحرم من فرصة النقض يشعر بأن سُبُل العدالة قد أُغلقت أمامه، مما يُفقد المنظومة القضائية جزءًا من هيبتها.
ثالثا : الحل لا يكون في إلغاء الرقابة العليا بل في تطوير القضاء تقنيًا وبشريًا
1. الحضور الإلكتروني للجلسات
• ينبغي السماح للأطراف بحضور الجلسات عن بُعد، باستخدام تقنيات الفيديو، كما هو معمول به في عدد من الدول المتقدمة.
• ذلك يُقلل من التأجيلات، ويُسهّل مشاركة المحامين والخصوم، خصوصًا في القضايا البسيطة أو الإجرائية.
2. زيادة عدد القضاة وتوزيع القضايا
• لمواكبة التوسع في التقاضي، ينبغي دعم الجهاز القضائي بالقضاة والتخصصات الفنية اللازمة.
3. التحول الرقمي الشامل
• من قيد الدعوى إلى صدور الحكم، يجب أن تُدار القضايا إلكترونيًا بالكامل، لتقصير الزمن الإجرائي ورفع كفاءة العمل.
4. إعادة النظر في نطاق رقابة المحكمة العليا
• لا بد من إعادة تقييم أنواع القضايا التي استُبعدت من رقابة المحكمة العليا، ووضع معايير تضمن فتح باب الطعن في القضايا التي تتضمن مبادئ قانونية أو نزاعات معقدة أو آثارا ممتدة.
رابعًا: قراءة في موقف المحكمة العليا العمانية
في الحكم رقم 2020/125، عبّرت المحكمة العليا عن قلقها من غياب رقابتها على بعض الأحكام:
«إن استبعاد المحكمة العليا من بسط رقابتها على بعض الأحكام القضائية قد يؤدي إلى حرمان المتقاضين من حقهم في مراجعة قانونية عادلة، ويهدد وحدة المبادئ القضائية…» .
وهذا التصريح يُعد دعوة صريحة لمراجعة تنظيم درجات التقاضي.
إنّ إصدار قانون تبسيط الإجراءات بموجب المرسوم السلطاني 125/2020 يُعد خطوة مهمة في اتجاه الإصلاح، ويستحق الشكر والدعم، لكن يجب أن لا يكون على حساب العدالة الموضوعية وحق المتقاضين في المراجعة.
ومن هنا، فإن التوازن بين السرعة والعدالة يكون عبر:
• إتاحة الحضور الإلكتروني للجلسات،
• توسيع عدد القضاة ودعمهم تقنيًا،
• مراجعة نطاق الرقابة القضائية العليا لضمان استقامة الاجتهاد.
بهذه الآليات نضمن عدالة سريعة وعميقة في آن معا.
