المحامي أحمد بن حسن البحراني
مقدمة
تُعدّ مسألة الإعسار من القضايا القانونية الدقيقة التي تمسّ صميم العلاقة بين الدائن والمدين، وتؤثر بشكل مباشر على حركة الاقتصاد والسلم المجتمعي. إلا أن الواقع العملي في سلطنة عمان يكشف عن فراغ تشريعي واضح في تنظيم الإعسار، خلافًا لما هو عليه الحال في بعض الدول الخليجية المجاورة كدولة الإمارات العربية المتحدة، التي أصدرت مرسومًا بقانون اتحادي رقم (19) لسنة 2019 بشأن الإعسار، لتضع بذلك إطارًا قانونيًا متكاملًا يوازن بين حماية المدين وحفظ حقوق الدائنين.
إن غياب نص قانوني في السلطنة ينظم إجراءات الإعسار يؤدي إلى إشكالات جوهرية، على رأسها التساؤل: من هي الجهة المختصة بنظر دعوى الإعسار؟ هل هو قاضي التنفيذ المختص بتنفيذ الأحكام، أم قاضي الموضوع المختص بنظر أصل النزاع؟ وهل إذا صدر حكم بإشهار الإعسار، فما هو الأثر القانوني لهذا الحكم؟ هل يُمنح المدين حماية؟ أم يظل يلاحَق بالتنفيذ المدني وربما الجنائي؟ وهل يظل الحكم بالإعسار قائمًا إلى “أبد الآبدين” دون آلية واضحة لرد الاعتبار أو إنهاء حالة الإعسار؟
هذه الأسئلة وغيرها أصبحت محل اجتهاد قضائي يفتقر إلى مرجعية تشريعية واضحة، ما يفتح باب التفاوت في الأحكام وغياب الاستقرار القانوني، وهو ما لا ينسجم مع متطلبات العدالة الناجزة.
الإطار القانوني الحالي: إشارات متفرقة لا تغني عن تشريع شامل
صحيح أن قانون الإجراءات المدنية والتجارية العماني في المادة (425) يجيز للمحكمة إسقاط أمر الحبس عن المدين إذا ثبت إعساره ببينة كافية، إلا أن هذا النص عام ويفتقر إلى آليات تطبيقية مفصّلة حول كيفية إثبات الإعسار، ومدى حجية الحكم الصادر به، وفترة سريانه.
كما أن قانون المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 29/2013، وتحديدًا في المادتين (287) و(288)، أشار إلى بعض آثار انتهاء الحجر، مثل حق المدين في طلب إعادة جدولة ديونه، وحق الدائن في الطعن في تصرفاته. لكن هذه الأحكام تظل محدودة وغير كافية، ولا ترتقي إلى مستوى قانون متكامل يعالج الإعسار كمنظومة متوازنة تحكم العلاقة بين المدين والدائن وفق معايير اقتصادية واجتماعية واضحة.
في المقابل، نجد أن القانون الإماراتي قد نظّم عملية الإعسار من الألف إلى الياء؛ فحدّد إجراءات تقديم الطلب، ووقف التنفيذ، وتعيين الخبراء، والتسوية مع الدائنين، وإجراءات التصفية، ثم رد الاعتبار للمدين بعد إبراء ذمته. وهي خطوات لا توفر فقط الحماية القانونية، بل تخلق بيئة اقتصادية مرنة تُشجع على إعادة الدمج المالي للأفراد المتعثرين، بدلًا من معاقبتهم بلا نهاية.
لذا، فإننا نوجّه نداءً صريحًا إلى المشرّع العماني بأن يتبنّى قانونًا متكاملًا لتنظيم الإعسار، يُراعي الخصوصية المحلية ويستفيد من النماذج الناجحة إقليميًا، خصوصًا القانون الإماراتي، وذلك لتحقيق العدالة، وضمان الحقوق، وتعزيز الثقة بالنظام القضائي والمالي في السلطنة.
