المحامي أحمد بن حسن بن إبراهيم البحراني
أتى الفصل الثاني من اللائحة التنفيذية لقانون المحاماة والاستشارات القانونية ليُحدث قطيعة مع نمط سابق من الدخول العشوائي إلى المهنة، وليضع المحامي العماني المقبل على مزاولة المهنة أمام منظومة تدريب وتعليم مستمر إلزامي، تستهدف الارتقاء به، لا فقط من ناحية المهارة الفنية، بل أيضًا من حيث الوعي بأخلاقيات المهنة والتزاماتها ومتطلباتها المؤسسية.
ففي السابق، كنا نرى من دخل المهنة دون أن يُصقل أو يتدرّب، ودون أن تُقيَّم أهليته الفعلية، لا العلمية ولا الأخلاقية، ثم وجد نفسه – بالبركة – مقيدًا في جدول المحامين أمام المحكمة العليا، وهو لا يُحسن حتى كتابة صحيفة دعوى، ولا يفرّق بين إجراءات النقض والاستئناف. هذا الفصل جاء ليعيد ضبط ميزان القيد والترقي، وليحول دون تكرار هذه المآسي المهنية.
اللجنة المختصة بالتدريب والتأهيل التي أُنشئت بموجب المادة (6) هي نقطة الانطلاق في هذا البناء المؤسسي، حيث عهد إليها اقتراح البرامج التدريبية ومتابعة تنفيذها، ومواعيد الاختبارات، ورسوم المشاركة فيها، مما يضع التصور العام في إطار رسمي مؤسسي لا يعتمد على اجتهاد المكاتب ولا عشوائية السوق.
برنامج التعليم المستمر الوارد في المواد (7 و8) أصبح شرطًا إلزاميًا سنويًا، لاجتياز مراحل القيد، ويمثل نقلة نوعية في ربط الترقي المهني بالتطور المعرفي، إذ أصبح على المحامي تحصيل 24 ساعة معتمدة سنويًا من خلال التدريب، أو التدريس، أو النشر العلمي، أو نيل مؤهلات عليا، مما يجعل من المحاماة مهنة حيّة، لا تراكمًا بيروقراطيًا.
ولأول مرة، تنص اللائحة في المادة (19) على حد أدنى لمكافأة المحامي المتدرب (325 ريالاً عمانيًا)، كحماية قانونية مباشرة له من الابتزاز والاستغلال الذي طالما مارسه البعض تحت عباءة التمرين. كثير من المحامين تحت التمرين اشتكوا سابقًا من الاستعباد، حيث كانوا يُلزمون بأعمال سكرتارية، أو مهام لا تمت للمهنة بصلة، دون أجر أو مقابل. أما اليوم، فقد أصبح للمحامي المتدرب حق قانوني واضح في الأجر، وفي بيئة تدريب مهنية قائمة على التكوين الفعلي، وليس الاستغلال.
من جانب آخر، فرضت اللائحة – من خلال المواد (17-21) – على مكاتب المحاماة مسؤولية مزدوجة: التأهيل الفعلي، والإشراف الأخلاقي، بل وربطت ذلك بشهادة رسمية تصدر في نهاية التدريب، توثق ما أنجزه المتدرب وما مارسه من أعمال، مما يضفي على التجربة مصداقية ويقطع الطريق على التزوير أو الشهادات الصورية.
هذا الفصل أيضًا أعاد تعريف المهنة من خلال شروط القيد في مختلف الجداول المهنية. لم يعد مجرد العمل الوظيفي في دائرة قانونية كافيًا للقيد، بل أصبحت الخبرة والمرافعة الفعلية والنشاط القانوني المحدد بالشواهد العملية جزءًا من الوثائق المطلوبة، مما يُكرّس المبدأ المحوري: لا قيد بلا كفاءة، ولا كفاءة بلا ممارسة فعلية.
في المجمل، يمكن القول إن هذا الفصل يمثل ثورة صامتة في تكوين المحامي العماني، إذ لم يعد الطريق إلى المهنة مفتوحًا للجميع بالمجاملات أو الارتجال، بل أصبح مسارًا منظّمًا يبدأ بالتأهيل، ويخضع للتقويم، وينتهي بالقيد المستحق. وهو بهذا الشكل يضع حدًا لظاهرة “محامي البركة”، ويفرض احترامًا مهنيًا للصفة القانونية التي طالما عبث بها من لا يستحقها.
إن ما بدأه المشرّع في هذا الباب من تنظيم هو حجر الأساس لبناء مهنة قانونية عمانية ذات مصداقية حقيقية، تحمي المجتمع من الممارسات الرديئة، وتحفظ للمحامي المحترف حقه في المنافسة الشريفة، وتعيد الاعتبار لمفهوم المهنة بوصفها مسؤولية لا مجرد صفة.
