أحمد بن ناصر الراشدي
استضافت إحدى الإذاعات الخاصة ضيفا من العيار الثقيل جذبني حديثه وأنصت لما يقوله، إذ كان يسترسل بكل مهارة وتمكن وينتقل من موضوع إلى آخر بكل رشاقة.
اتسمت كل المواضيع المطروحة بأسلوب التشويق مع إسقاطها على الواقع العماني، وكان الحديث في هذه الرمسة الرمضانية عن حقوق الإنسان بشكل عام.
قام الضيف بربط هذا المصطلح بمصطلحات عديدة، منها: ارتباط حقوق الإنسان بالشق الدولي وكذلك علاقة هذا الموضوع بالموروث العماني والهوية (وهذا ما أطربني شخصياً)، وتارة يتحدث عن “الانتهاكات” تلك الكلمة الجافة التي لا استسيغها نظراً لما تحويه الصورة النمطية لها من استغلال ضعف طرف آخر والتعدي على حقوقه من قبل طرف أقوى نفوذاً وسلطة، لذا أجدني مائلاً إلى مصطلح تجاوزات وأجدها نوعاً ما ألطف، إلى أن وصل هذا الضيف إلى استفزازي -وأعتبره استفزازاً محمودا- حيث ذكر أن هناك عهود ومواثيق قديمة جداً تسبق في ظهورها ما أصدرته المؤسسات الدولية من مواثيق مرتبطة بحقوق الإنسان حتى وإن كان طابعها دوليا.
استفزني جزء من حديثه عندما ذكر أن هناك حلف تم إنشاؤه عام 590 ميلاديا من قبل مجموعة من القبائل العربية مثل قريش وكنانة وهاشم لمساعدة المظلومين والمحتاجين وممن نسميهم حالياً بالفئات الأولى بالرعاية.
وأتى تشكيل هذا الحلف لحفظ حقوق الناس الضعفاء والحد من استعبادهم من فئة التجار بعد أن كان وضع المجتمع شبيها بالوضع الرأسمالي آنذاك.
كان هذا الحلف يمثل قيم الشجاعة والعدالة والإنصاف والسماحة، ويعكس الحس الإنساني الأصيل المترسخ في العرب ذلك الوقت وقبل عقود كثيرة من ظهور الإسلام، وكذلك ظهور ما نسميه حاليا بمبادئ الأمم المتحدة المختلفة والمتعلقة بحقوق الإنسان وأقدمها الإعلان العالمي لحقوق الانسان.
وبعد ظهور الإسلام قال النبي صلى الله علي وسلم “لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم” دلالة عظيمة على سمو هذا الحلف وإنسانيته.
الأمر المستفز في هذه القصة أننا لا زلنا نسلم نحن كعرب ومسلمين بأن أول وثيقة دولية معنية بحقوق الإنسان هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في العاشر من ديسمبر عام 1948م، بل ونحدد له يوما عالمياً للاحتفاء به، ولم نكن ندرك بأن هناك عهود ومواثيق قديمة جدا كان مصدرها العرب قبل الإسلام، وامتداداً للإنسانية العربية واستكمالاً للرسالة السماوية أتت مواثيق أخرى بعد الإسلام أبرزها القران الكريم والحديث النبوي الشريف. وتناسينا ما قاله سبحانه وتعالى في محكم كتابة العزيز من سورة الإسراء “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (70).
فالمتمعن في هذه الآية سيجد بأنها اشتملت على جميع الحقوق التي تكفل للإنسان كرامته، مهما كانت ديانة هذا الفرد ومهما كان جنسه أو لونه أو حتى أصله.
وناشدت الآية الكريمة بكرامة الانسان بصفته الآدمية دون تفنيد لأي اعتبارات أخرى، فسبحان الله ما أشمله من كتاب كفل جميع الحقوق لجميع الفئات في آية واحده ودون أدنى تمييز.
هذه الآية التي لا تزيد كلماتها عن عدد أصابع اليدين، قامت الأمم المتحدة بعدها بصياغة العشرات من المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان لمختلف المواضيع والفئات بدءا من 1984 إلى يومنا هذا، فشتان ما بين حلف حقوقي عربي أنشئ في 590 م وبين وثيقة غير ملزمة أممية صدرت عام 1948.
هل لا زلنا نؤمن بأن أول صك دولي معني بحقوق الإنسان هو الإعلان العالمي لحقوق الانسان 1948 والذي كنت شخصيا أصدح به في كل شاردة وواردهةعلى أقل تقدير حتى قبل الاستماع إلى الرمسة الشيقة مع ذلك الضيف الرائع معرفياً في تلك الإذاعة التي حتى مزاجها كان عربيا؟
أم أننا سنقتنع بعروبة حقوق الإنسان وتأصيل هذا المبدأ والعمل على إجراء مزيد من البحوث والدراسات لتوثيق العهود والمواثيق العربية الأصيلة التي أسست لحفظ كرامة الإنسان وتسويقها على المستوى الدولي كأقدم مواثيق معنية بحقوق الإنسان ويتم الاحتفاء بها دوليا.
نصيحة أخيرة أوجهها لنفسي قبلكم، أنه عندما نتحدث عن حقوق الإنسان يجب أن نحسن تسويق منتجنا العربي والإسلامي الحقوقي، فالبوصلة بحاجة إلى إعادة برمجة والمرجع لابد أن يكون للمشرق دوما وليس للغرب.
