المحامي أحمد بن حسن البحراني
منذ انطلاقها مطلع 2022، تمثل منظومة قياس الأداء الفردي “إجادة” خطوة طموحة ضمن رؤية الحكومة لتطوير العمل المؤسسي والارتقاء بمستوى الأداء في وحدات الجهاز الإداري للدولة، وهي بلا شك تجسّد توجهاً حديثاً نحو ثقافة تقييم موضوعية تقوم على الأهداف والنتائج، بما يعكس اهتمام الدولة بكفاءة الجهاز الوظيفي وتحقيق مبدأ “لكل مجتهد نصيب”.
وفي الوقت الذي نثمّن فيه هذا التوجه الجاد نحو الإصلاح الإداري، فإن تطبيق مثل هذه المنظومة يستوجب كذلك مراعاة بعض الاعتبارات القانونية والتنظيمية التي تضمن نجاحها وتحقيق أهدافها بأعلى درجات العدالة والاستقرار المؤسسي.
أولاً، من الناحية القانونية، فإن المنظومة لم يصدر بشأنها بعد نصوص تشريعية واضحة ضمن قانون الخدمة المدنية أو لوائحه التنفيذية.
وقد يُفهم هذا في سياق حرص الحكومة على التدرج، لكن إدراج مواد منظمة للتقييم بالأهداف (OKR) سيعزز من مصداقية المنظومة ويمنحها القوة القانونية الكاملة، خاصة عند النظر في التظلمات والطعون.
ثانياً، أظهرت التجربة الأولية للمنظومة تفاوتاً في مستوى فهمها وتطبيقها بين الوحدات الحكومية، مما أدى إلى بعض التباينات في التقييمات وارتفاع عدد التظلمات.
وهنا، يمكن أن تُعزز الحكومة من فاعلية التدريب والتوعية، إلى جانب مراجعة آليات تشكيل اللجان المختصة، مثل لجنة مراجعة الأداء المتدني ولجان المفاضلة، بما يضمن اتساق الممارسة مع الهدف العام للمنظومة.
ثالثاً، ما يتعلق بنسبة التقييم (مثل نسبة 10% للممتاز)، فبينما يُفهم أنها جزء من تنظيم التقييم وفق المعايير الدولية، إلا أن من المهم إبقاء هامش مرونة يراعي واقع الأداء الفعلي داخل المؤسسة، حتى لا يشعر الموظف المجتهد بالإحباط إذا حُجب عنه التقدير فقط بسبب القيود النسبية.
رابعاً، من المهم الانتباه إلى أن بعض الموظفين قد يضعون أهدافاً غير متناسبة مع طبيعة العمل أو لا تعبّر عن حجم الجهد المبذول فعلياً، لذا، فإن دور المسؤول المباشر في مراجعة الأهداف وتجويدها، وكذلك تعزيز الرقابة المؤسسية، يُعد عنصراً أساسياً لضمان العدالة في التقييم.
أخيراً، ومع أن البعض يرى أن المنظومة قد ترتبط بالترقيات مستقبلاً، فإن الوضوح في هذا الجانب سيكون مطمئناً للموظف، خصوصاً مع تطلع الكثيرين إلى إنصاف دفعات سابقة تأخرت ترقياتهم. ويُحمد للحكومة أنها بدأت بالفعل معالجة هذا الملف تدريجياً.
خلاصة القول، إن “إجادة” ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتكريس العدالة وتحفيز الكفاءات، ومن خلال بعض المراجعات القانونية والتنظيمية، وتوسيع دائرة الحوار مع الموظفين، يمكن للمنظومة أن تحقق أهدافها النبيلة في بيئة من الرضا والتفاعل الإيجابي.
ولا يسعنا إلا أن نُشيد بما تبذله الحكومة من جهود واضحة في تطوير أدوات الإدارة وتحسين بيئة العمل، ونأمل أن تستمر هذه المسيرة بخطى ثابتة نحو الأفضل، لما فيه خدمة الوطن والمواطن.
