الكاتب: خالد محمد عبده
على باب الله: نرجو رحمته وفضله
على باب الله: كما تقولها السيدات العجائز والرجال الطيبون
لا على باب الله لنخرج أحدًا من رحمته، أو نعتمد ونعمّد الآخرين، أو نصلب ذاتنا أو نعلّق أجسادهم.
على باب الله : كلامنا آراء وظنون نلتمس صدقها كلما حاولنا ألا نقطع بيقينيتها !
على باب الله: ما نختاره صوابا كان أم خطأ .. نرجو الله قلبًا لا يسكن إلى الخطأ ويعيشه دومًا .. ونطلب الهداية حتى الرمق الأخير
على باب الله: عصاة كنّا نعمل ما نظنه صالحا حتى يتقبّلنا!
من مزايا (الفيس بوك) المعرفية، أن كثيرين من الأصدقاء يلفتون النظر ويعرفوّنا بأفكار وأشخاص لم نكن نعرف عنهم شيئًا في السابق، وتتجدد هذه المعارف كل يوم، من خلال الومضات والإضاءات التي نحصل عليها من (مقطّعاتهم) المنشورة على الصفحات الشخصية والصفحات العامة ، لكن مما يلفت النظر أيضًا اختزال بعضهم لشخصيات معينة فيما يقبسونه عنهم، فجلالُ الدين الرومي راقصٌ وموسيقار، والبسطامي شطّاح فحسب، والحلاج القائل بأنا الحق والفاني في الرب، وابن عربي هو الموحّد والمثلث والساجد للصنم،…الخ ذلك. لكننا لا نرى في قبس الأصدقاء عن (الرومي) مثلاً شيئًا عن حديثه عن (الصلاة أو تربية المريدين وتعليمهم أو قراءة القران) مع أن مثنويه الرائع ترجمة لعلوم القران، بكل ما فيه..
كذلك لا نرى فيما يُنقل عن الحلاج شيئًا عن صلاته وتهجده وختمه للقران، جُلّ ما يروى عنه يُختزل في (عجبت منك ومني.. وما صحّت الفتوة إلاّ لأحمد وإبليس.. والفراش يدور).. كذلك ابن عربي لا شيء يُذكر عن (فقهه) ويُروى للجمهور، ولا رأي في التربية يشيع كما يشيع رأيه عن المرأة، ولا رحلته العصامية التى بنى نفسه من خلاله، والترجيع لما يُغنّى من أشعاره فحسب .
أنا أستفيد من هذا القبس وذاك إن تتبعت الشخص الذي أجهله، وبحثت عنه، من خلال القول الذي أعجبني، إذ الإعجاب وحده غيرُ كافٍ، والقبس باجتزاء على قدر تنبيهنا إلى ما نجهله مخلٌّ باجتزائه.. يصدقُ هذا على فعلي أنا وفعل الكثيرين .. وسبحان الكامل الذي لا يتعريه نقصان.
تجسّد اليوم في قلبي قول مولانا: (أنا مثل الفرجار أدور على السبعين ملّة).. ورأيت فراشة الحلاج التي تطير حول المصباح، تبصر في احتراقها، بنور يفرّ الكلُّ منه، ظنًّا منهم أنه نارٌ محرقة، تقترب الفراشة وحدها فرحة مسرورة إلى عُرس الله -بتعبير الحكيم الترمذي- تتسابق الفراشات التي تحيا بصرخات قلب مولانا. إلى عُرس يزفّ كل مشتاق للتحقق والحياة الأبدية.
تأصّل التّصوف في بلاد العرب، وصرخ المتصوفة وخرّوا مغشيًا عليهم من الوجد والحضور والغيبة، عاشوا في بلاد العرب تجربة فريدة قلّ أن يتكرر نظيرها اليوم .. سمع الناسُ عن أساطير رابعة وصلب الحلاّج وشطحات البسطامي ومعراج ابن عربي وعشق الرّومي.. انطلقت شرارة النور من (الألف المألوف) و(اللام المعطوف) وعبر طرائقه بيد رجال مخلصين انتشر التصوف في بلاد لم يكن للإسلام فيها أرض أو راية مرفوعة، انجذبت الآلاف إلى نصوص وكلمات السادة الصوفية، وإذا وأد أهل الطرق (الإبداع الصوفي) في بلاد العرب، ينفخ أهل الغرب من المتصوفة الجدد الحياة في الجسد المذبوح .. ويبدأوا في تدوين دفاتر العشق !
كلما قرأتُ وصف إقبال لنيتشه، متأثرًا بالتصوف وبكلام أهله عن الحلاج بعد وفاته، أن نيتشه كان صاحب قلب مؤمن ولسان كافر، وهو الوصف الذي اعتبره غير واحد من الألمان الدارسين لنيتشه معبّرًا عن تجربة نيتشه التي لم يفهمها كثير ممن كتب عنه.. كلما مرّ الوصف برأسي أتذكر أنني مؤمن اللفظ وإن هرطقت، وكافر القلب أدّيت صلاتي، وأتذكّر الكثيرين ممن يعلنون الشهادة ويسجدون ألف سجدة ولا كلمة مما يُنطق تخرج من بين لحم القلب ودمه.. المهم عندنا أن (نيتشه قال مات الله) ونحن لم نقل!
يرى مُحمّد إقبال أن الحلاّج فهم أعماق الوحي الإلهي بصورة أفضل مما فعل كبار الفقهاء وعلماء الدين في الإسلام، الذين عجزوا عن التحليق إلى الذرى الفكرية، لأن كلاّ من هؤلاء يجثم كقارون على المعاجم اللغوية (أي أنهم لا يستطيعون التحليق بسبب عبء معارفهم الصورية اللفظية) كلّ منهم يضغط ميّتًا تحت الغبار، تمامًا كما غرق قارون تحت المال،أما الحلاّج ذلك المناضل الطليعي في سبيل الإيمان الحيّ، ظلّ مثلاً حيًّا للإنسان المُعاصر.
في السؤال الثامن من أسئلة إقبال التي صاغها في (كلشن راز جديد) الذي ترجمه حسين مجيب المصري، تحت عنوان: (روضة الأسرار)، يُعيد إقبال قراءة الحلاج ويكتشفه من جديد، بوصفه -أي الحلاج- داعيةً إلى عقد علاقة ذاتية دينامية بين الإنسان والله، ويعتبره صوفيًّا أراد إيقاظ المسلمين من سباتهم الروحي بقيادتهم إلى المعنى الداخلي للوحي الإلهي[1].
أتعرف ما تضمّنه أنا الحقّ؟!
أتحسبه هُراءً حين يُنطق؟!
يذكر إقبال أن الفناء للدنيا، والبقاء للذّات، ويذكر أن الحلاج طلب الله بذاته، فعلى الإنسان أن يهتم بذاته ويترك الجدال في شأن الدنيا، والحسن والقبح، والدليل والمدلول، والعاقل من يتحقق بما قاله الحلاج[2].
أصبحت (أنا الحقُّ) فيما بعد شعارًا للصوفية الآخذين بمبدأ وحدة الوجود، وطالما ترددت في الشعر الفارسي والتركي، ومن ذلك ما نراه عند العطار ويمكن صياغته على النحو الآتي:
كلّ قطرة من دمك تقول (أنا الحق)
كل عضو مبتور من جسدك ينطق (أنا الحق)
كل ذرة من رمادك النقي تنبت أشجار(الحق)
وحينما ننتقل إلى كتاب (كلشن راز) لمحمود الشبستري – بوصفه الكتاب الذي دفع إقبال لنظم القسم الثالث من ديوانه (زبور العجم) – لنرى كيف قرأ الشبستري (أنا الحقّ) للحلاج، نجده يقول: إن كلّ ذرة في العالم كالمنصور، ولا يشعر بذلك إلاّ المخمور، في مقام السُّكرِ والفناء، وذرّات العالمِ تُهلل وتسبّح بذلك على الدّوام، وبهذا المعنى كان لها القيام.
– فالتّسبيحُ تنزيه الله عن المشاركة أن يشاركه غيره في ذاته وصفاته، والناطق بـ(أنا الحقّ) ينفي الغيرية والإثنينية. لِمَ تجوز (أنا الحقّ) من شجرة ولا تجوز من ذي حظٍّ عظيم؟!
– أنا وهو وأنت شيءٌ واحدٌ لا يتفرّق، وكلّ من تخلّى من ذاته كانت قولة: (أنا الحقّ) صوتًا منبعثًا فيه، والحلول والاتحاد هنا مُحالٌ.
ونلاحظ في أبيات إقبال التي تقابل كلام الشبستري أن إقبال اهتم بالذّات وعظّم من شأنها واعتبرها حقيقة لا يرقى إليها شكٌّ، في حين أنه من حقائق الكون ما يحتمل الشّك والتأويل، وفي أبيات إقبال في هذا السؤال، ما يشير به إلى الشكّ في الحواس، ولعل إقبال هنا متأثر بما قاله الغزّالي من قبل، في المنقذ من الضّلال.
وإذ يريد الصوفية من الرياضات والسلوك إفناء الذات، فإن إقبالاً يسعى إلى إحيائها وإثباتها، ويعتبر ذلك واجبًا على الفرد والأمة ولا بد من السعي في سبيل تحقيقه.
انتقد إقبال الحلاّج في “تطور الميتافيزيقا في فارس” عام 1908، ويُقال: إنه أعاد اكتشاف الحلاّج في “جاويد نامه” عام 1932، فإلى أي مدى يصح هذا الحكم؟! وهل مؤلفات إقبال تدعم ذلك؟
في نظر إقبال أن الحلاّج قال: (أنا الحقّ) متحدّيًا العالم الإسلامي بأسره في عصرٍ تميّز باتجاه الناس نحو طمس الحقائق، وإغفال الذات الإنسانية، وما أعلن الحلاجُ هذا الإعلان وتمسّك به إلا حين رأى من الفقهاء والسُّلطةِ تصميمًا على سجنه وقتله. ورأى إقبال في هذه الكلمة (أنا الحقّ) تعبيرًا عن تجربة دينية عاشها صاحبها وبلغ الذّروة فيها. فكلمة الحلاج صيحةٌ تعبّر عن قدرة الفرد على الإشراف على الكون، بقدرته على الكشف عن ذاته وصلته بالله.
[1] راجع: روضة الأسرار لمحمد إقبال، ترجمة حسين مجيب المصري، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1977، ص 57-60. كتب إقبال هذا القسم من كتابه (زبور العجم) مساجلاً به كتابًا لصوفيٍّ أخر من أهل القرن السابع، وهو محمود الشبستري (تُوفي 720 ﻫ تقريبًا)، مبدع المنظومة الصّوفية العظيمة المسماة بـ(كلشن راز) التي كانت سببًا في تخليد اسم صاحبها، ومن أفضل الشروحات لها شرح الشيخ اللاهيجي.
وفي هذه المنظومة: يجيب إقبال على تسعة أسئلة، فيها دقائق فلسفيةٌ وصوفيّةٌ، ويحل مشاكل وحدة الوجود على ضوء الفكر الحديث، ومن هذه الأسئلة: السؤال الأول يقول فيه: أنا في حيرة من فكري، ما الشيء الذي يسمى فكرًا ؟ وأي فكر يدلّنا على الطريق ؟ لماذا نطيع الله ثم نكاد نكفر؟!. والسؤال التاسع : من الذي انتهى إلى سر الوحدة؟ وما الذي انتهت إليه معرفة العارف؟
[2] السابق، ص 59.

