زهراء بنت حمد العجمية
في البداية وقبل أن أبدأ مقالي هذا، أود أن أوضح معانٍ لمصطلحات ستكون موجودة في هذا المقال، فأنا لا أدعي العلم، وإنما هي محاولة لتقديم مقاربة لمعاني هذه المصطلحات، وهذا عمل بشري لا يصل إلى درجات الكمال.
إن التقدم والتطور من الأمور الأساسية في الحياة، وهما يعتمدان على عدة عوامل، أولها الموهبة، وعندما نتناول مفهوم الموهبة ونوضح ماهيتها نجد أنها قدرة أو استعداد فطري، فهي المنبع الذي يُمكّنُ الأفراد من التفوق، لكنها ليست كافية وحدها؛ فالتدريب والتوجيه يسهمان في تطوير هذه القدرات إلى مستوى أعلى.
في حين أن الإبداع يمثل القدرة على التفكير بشكل حديث وجديد وغير تقليدي، هو القدرة على رؤية ما وراء المألوف.. أن تبتكر ما لم يكن كائن، أن تكون جريئا وتتجاوز النمطية وتستعد لاكتشاف آفاق جديدة.
أما الابتكار فهو نتاج تطبيق الأفكار الإبداعية والقوة الدافعة وراء التغيير والتطوير، ويتميز الابتكار بالقدرة على إحداث تغيير إيجابي أو تحسين موجودات أو خدمات قائمة، فهو المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي، وهو شرارة الإبداع التي تحوّل كل محال إلى حال.
ونستطيع القول إن الموهبة هي البذور، والإبداع هو عملية نمو هذه البذور في خيال الأفراد، بينما الابتكار هو الثمرة التي تتجلى في العالم الواقعي، وكل هذه العناصر تتفاعل لتشكل البيئة المثلى لتحقيق التقدم والتطور، مما يساهم في جعلها ضرورية في مختلف مجالات الحياة.
وأنا أرى أن المجتمعات العربية تُعاني من قصور ملحوظ في الاهتمام بتنمية المواهب، إذ تُعد هذه الظاهرة نتاجاً لعوامل ثقافية واجتماعية معقدة، وتُظهر الدراسات أن العديد من الأسر تفتقر إلى الوعي بأهمية الاستثمار في المهارات الإبداعية لأطفالهم، حيث يركز الكثيرون على التعليم الأكاديمي التقليدي، مما يُسهم في إغفال جوانب الابتكار والإبداع، وفي المقابل نجد المجتمعات الغربية تُبدي دعمًا أكبر لتنمية جوانب الإبداع لدى الناشئة.
وفي المجتمعات الغربية، تُعتبر تنمية المواهب عملية مستمرة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع، حيث تُوفر بيئات تعليمية تحفّز التفكير النقدي وتشجع على المشاركة الفعّالة في الأنشطة المختلفة، بينما في المجتمعات العربية، غالبًا ما تُعتبر الأنشطة اللاصفية ترفًا، مما يُفضي إلى فقدان العديد من الكفاءات التي يمكن أن تُسهم في تعزيز التنمية المستدامة والابتكار.
وهذا التوجه السلبي يتطلب تغييرات جذرية على المستويات الثقافية والاجتماعية، إذ يجب أن تتبنى الأسر والمجتمعات مفهوم دعم الموهبة كأداة أساسية للنمو والتطور، وليس مجرد استثمار مُضاف، ومن الضروري أن نُعيد تشكيل نظرتنا تجاه المواهب ونُقدّر الأثر الإيجابي الذي يمكن أن تُحدثه في بناء مجتمعات مُستدامة ومُبتكرة.
وعن الحاجة لاكتشاف المواهب ورعايتها، فالعالم بحاجة لإيجاد حلول جديدة لتحديات الحاضر والمستقبل، وأؤكد على ضرورة إيجاد طرق جديدة لتفعيل المواهب، بما يصب في مصلحة المجتمع وخدمة الآخرين، حيث يمكن أن تسهم أدوات الابتكار في الوصول إلى أفكار جديدة.
إن تنمية المواهب ليست مجرد دعم فردي، بل تشمل منظومات تدريبية ومؤسساتية تتيح للفرد مجالاً لتوسيع مداركه من خلال مزيج من التعلم النظري والتجارب العملية، ويعتمد ذلك على إدراك الدوافع الداخلية والخارجية التي تغذي النمو، والقدرة على التكيف ضمن سياقات متغيرة تتطلب المرونة والقدرة على الابتكار.
وفي عصر يتسم بالتسارع التكنلوجي والتعقيد الاجتماعي والاقتصادي، أصبح تنمية المواهب الناشئة وتعزيز الابتكار أمراً حيوياً لبناء اقتصادات قائمة على المعرفة وتطوير حلول للمشكلات المعاصرة، وهذه العملية تتطلب تكاملاً بين الفهم لعلم النفس التنموي، والأنظمة التربوية الحديثة، والآليات التي تحفز العمليات الابتكارية في المجالات العلمية والتقنية.
وهناك خطوات يجب اتباعها لتهيئة وتنشئة هذه المهارات وذلك عن طريق:
التحول التربوي نحو التنشئة المعرفية المستقبلية، حيث يعتبر التحول من الأنظمة التعليمية التقليدية في شكلها إلى منظومات مبتكرة ضرورة حتمية في عصر التكنولوجيا والثورة الصناعية الرابعة، ويرتكز هذا التحول على المنهجيات المعرفية التفاعلية والتي بدورها تساهم في تعزيز التفكير التكنلوجي والمواكب للعالم والعولمة.
تنمية القدرات عبر التحفيز العصبي المستدام:
إن الإبداع وفقاً لأحدث الدراسات في علم الأعصاب المعرفي، يتطلب تنشيط المسارات العصبية المرتبطة بالتفكير الشامل مما يحفز اللدونة العصبية والتي تمكن الدماغ من تشكيل روابط جديدة استجابة لتحديات معرفية معقدة.
إرشاد المواهب عبر الأنماط العقلية المتقدمة:
عندما نقول إرشاد، ماذا نعني بذلك؟ إرشاد= توجيه.. ونستطيع القول هنا أن الإرشاد لا يكون توجيهاً فحسب، بل إنما هو قدرة المرشد على إيصال وإقناع الموهوب أو الطرف الآخر بماهية الأمر المرشَد إليه وكيفيته بطرق ووسائل مبتكرة، فهو يعتمد على الارتباط البنائي عبر خلق تآزر معرفي يعزز من التشبع المعلوماتي.
كيف نستطيع المزامنة مع هذا التحول؟
هناك مصطلح شائع في عصرنا الحالي، وقد بدأ تطبيقه في الآونة الأخيرة وهو: (التعليم المدمج)،والذي يعتمد على تكامل التعليم الواقعي والتعلم الرقمي لتحفيز الإدراك التجميعي الذي يدمج بين المعارف النظرية والتطبيقات العملية بأسلوب ديناميكي يعزز من القدرة النقدية والاستدلال المنطقي.
تعتبر أيضاً النمذجة العقلية التنبؤية من أكثر الأدوات فعالية في توجيه الأفراد الموهوبين، حيث تسمح لهم ببناء توقعات استراتيجية عن البيئة المحيطة واستجابة لهذه التوقعات عبر عمليات التحليل الاحتمالي.
ربما يكون هذا المصطلح جديداً بعض الشي، يمكننا توضيح هذا المصطلح بقولنا إنها عملية بناء نماذج عقلية لتصور وتفسير العالم من حولنا، وتستخدم في اتخاذ القرارات وحل المشكلات، فهو يساعد في تعزيز هذه النماذج من خلال التعامل مع الشكوك والتغيرات في المعلومات.
هذه المصطلحات، كيف يمكن استخدامها؟
طُرحت هذه المصطلحات وتم التعمق فيها وفهم كل على حدة، لكن كيف نستطيع استخدامها؟ هذا السؤال ستطرح إجابته في التالي:
نطرح مثالاً: إذا كنت تقيم قراراً بشأن استثمار مالي، يمكن أن تستخدم النمذجة العقلية لتقييم العوائد والمخاطر المحتملة، كذلك الحال إذا كنت في موقف اجتماعي معقد، مثل التفاوض على صفقة، فقد تضع في اعتبارك عدة سيناريوهات حول ردود فعل الطرف الآخر، وتقدير احتمالية كل منها لتوجيه قرارك. بهذا الأسلوب، النماذج العقلية التي تعتمد على التحليل الاحتمالي توفر أسلوبا أكثر واقعية ومرونة في التعامل مع المواقف المعقدة، مما يقلل من الاعتماد على الحدس وحده، وهذا يساعدنا في التعامل مع الغموض واتخاذ قرارات أكثر استنارة ووضوح في حياتنا اليومية عن طريق تكييف تصوراتنا وفقاً للمعطيات المتاحة.
ولا ننسى العامل المهم أيضا، وهو التكنولوجيا، والتي تستخدم كأداة تحفيز للقدرات المعرفية المتسارعة، ولكنن كيف يكون ذلك:
تلعب الحوسبة الكمومية والخوارزميات الجينية في تحفيز المواهب الناشئة، ولا يقتصر على تطوير المهارات التقنية، بل يمتد إلى إعادة هيكلة العمليات الفكرية من خلال توفير بيئات محاكاة افتراضية متعددة الأبعاد.
هذه البيئات تستفيد من الحوسبة الإدراكية التي تمكن الأفراد من التفكير في أطر مفاهيمية معقدة مثل الهياكل الشبكية والتفكير النمطي المعتمد على البيانات.
والآن: ماذا عن الشق الآخر من موضوع هذا المقال وهو تعزيز الابتكار.
إن مصطلح الابتكار وحده ليس كافيا لتحقيق الإبداع، ولكن لو قمنا بإسناده إلى المعرفة، فيصبح بذلك (الابتكار المعرفي).
الابتكار المعرفي لا ينبثق إلا من خلال التكامل البيني للمعارف، وهو النهج الذي يعتمد على جمع الحقول الفكرية المتقاطعة لتحفيز التفكير التركيبي، حيث يتم دمج المعارف من تخصصات مختلفة لصياغة حلول جديدة، فالفروق متعددة الاختصاصات تقوم بتطوير ما يعرف بالتفاعل المعرفي الارتدادي، وهي عملية معرفية تفاعلية تقوم على إعادة تشكيل الأطر النظرية والتطبيقية بشكل دائم من خلال الحوار الفكري المتزامن بين أعضاء الفريق.
ومن أهم الحوافز التي تفعل الابتكار هي الحوافز السيكولوجية والمعرفية كالتعزيز الإيجابي والدعم النفسي لتشجيع الأفراد على تجاوز الخوف من الفشل وتجربة حلول غير تقليدية، علاوة على ذلك فإن التغذية الراجعة المعرفية تلعب دوراً مهما في تحسين الأداء الابتكاري.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نطبق هذه الأشياء في حياتنا الواقعية؟
قرأت كتاب: “الإبداع في تنمية المواهب”، ورّكز الكاتب على كيفية اكتشاف وتنمية المواهب مع تعزيز قدراتهم الابتكارية، ويتناول أساليب تعليمية وتوجيهية تساعد في تطوير المهارات الإبداعية وتشجيع التفكير الابتكاري.
إن تطبيق مفاهيم تنمية المواهب وتعزيز الابتكار في الحياة الواقعية يتطلب استراتيجيات دقيقة ترتكز على أسس علمية وعملية، نستطيع تلخيصها في الآتي:
أولاً، تطوير مناهج تعليمية متخصصة:
وذلك عن طريق التعلم القائم على المشروع، ويتمثل ذلك في تصميم وتكوين مناهج تعليمية تحفز الطلاب على العمل ضمن فرق لحل مشكلات حقيقية، مما يعزز من مهارات التفكير النقدي والتعاون.
كذلك أيضاً تطبيق التعليم المخصص، يعتمد على استخدام التقنيات التكنولوجية الحديثة لتحليل الأنماط التعليمية لكل طالب وتقديم محتوى تعليمي يتناسب مع احتياجاته مما يعزز التعلم الذاتي ويحقق نتائج أفضل.
ثانياً، إرساء ثقافة الابتكار داخل المؤسسات:
يكون ذلك عن طريق القيادة الابتكارية، حيث يتطلب تعزيز الابتكار وجود قادة يتمتعون بمهارات إدارة التغيير وقدرة على خلق بيئة عمل تشجع على المخاطرة المحسوبة وتقبل الفشل كجزء من العملية الابتكارية كذلك أيضاً استخدام الشبكات الابتكارية نستخدمها في بناء شبكات تعاونية تضم الافراد والمجموعات من خلفيات مختلفة، مما يسهم في تبادل الأفكار والخبرات ويدعم عملية التفكير الجمعي.
من وجهة نظري أن التعلم من الفشل هو الإبداع، لذا فأنا اعتبرها الأساس لكل هذا. إن تقبل الفشل كجزء من العملية الابتكارية هو الإبداع بحد ذاته، حيث يجب تطوير ثقافة المؤسسات لكي تشجع على التجريب، وتنظيم فعاليات أخرى تشجع على مناقشة الفشل كجزء لا يتجزأ من هذه العملية المعقدة.
كنت قد قرأت مقالا بعنوان: “تنمية المواهب والابتكار في المجتمع العربي”- مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية- يناقش أهمية تنمية المواهب في المجتمع العربي وضرورة تعزيز الابتكار من خلال التعليم والتدريب المستمر، مشيراً إلى أهمية الثقافة الابتكارية في تطوير الاقتصادات والمجتمعات العربية.
وفي الختام كل ما أستطيع قوله، أن تطبيق هذه الاستراتيجيات العملية المتقدمة يمكن تحقيق تحول جذري في كيفية تنمية المواهب وتعزيز الابتكار، والتركيز على التكامل بين التكنولوجيا البيئة المجتمعية والعمليات التعليمية يشكل الجذور المتأصلة لدفع عجلة الابتكار المستدام وتطوير القدرات البشرية في مختلف المجالات.
