شؤون عمانية- حفصة الجهورية
نظم مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم جلسة حوارية، حول مفهوم حوكمة الثقافة بقاعة الفعالية للمركز،
وجاءت هذه الجلسة نظرا للأهمية الكبيرة لهذا المفهوم باعتباره المسؤول الأول عن قياس مستوى القطاع وتطويره وإنمائه وإيجاد وسائل استدامة وبرامج تنموية مرنة.
حضر الجلسة المكرمة الدكتورة عائشة بنت حمد الدرمكية ونخبة من المثقفين والمهتمين والمختصين في هذا الجانب، وإدارة الإعلامية فاطمة بنت احسان اللواتية.
وقالت المكرمة الدكتورة عائشة بنت حمد الدرمكية، إن الحوكمة نظام إداري يقوم على مجموعة من العلاقات التي تربط بين المؤسسات والإدارات العليا وأصحاب المصلحة والمستفيدين، وتهدف إلى تحقيق الشفافية والعدالة والمساءلة والمسؤولية ومكافحة الفساد، والاستثمار الفاعل، مشيرة إلى أن تطبيق الحوكمة ضرورة ولولاها لن يكون هناك استثمار حقيقي في الثقافة، ولا نظام قادر على تحقيق أهدافه التنموية، فهي المسؤولة عن قياس مستوى القطاع وتطويره وإنمائه، وتيسير إيجاد وسائل استدامة وبرامج تنموية مرنة.
كما ذكرت المكرمة أن أبرز السياسات التي تقوم عليها حوكمة الثقافة هي سياسات خارجية ترتبط بتلك السياسات والضوابط ذات الصلة سواء أكانت ضمن علاقات الدولة مع المنظمات الدولية أو العربية، أو تلك الضوابط التي تربط الثقافة مع القطاعات الأخرى خاصة السياحية والتجارية والاقتصادية، ثم سياسات داخلية تتعلَّق بالسياسات والتشريعات التي تحكم الثقافة نفسها، إضافة إلى علاقة المؤسسات الثقافية مع المستفيدين أو المثقفين والمبدعين، والتي تحكمها مجموعة من المعايير تقوم على الكفاءة والقدرة على الإبداع والابتكار، والمناخ الثقافي العام في الدولة.
وأشارت أن حوكمة الثقافة تبدأ من خلال إعادة تشكيل السياسات وإعداد نظام إداري قادر على بناء هيكلة بيئة الإبداع، وتوفير إطار مرن مستجيب للتحديات التي تواجه استثمار الثقافة حيث ان هذا النظام وجد لكي يؤسس الثقة وفق مبادئ حقيقية ، لأن الحوكمة تقوم على تمكين القدرة المؤسسية وفق أُطر معيارية وسياسات وبينية تحتية فاعلة وقادرة على بناء الشراكات القائمة على الشفافية والعدالة والمسؤولية.
وعن الاستراتيجية الثقافية القائمة على معايير الحوكمة قالت المكرمة إنه تم تحديد قيم الاستراتيجية من خلال الشراكة والهوية والإبداع والتواصل والفاعلية والجودة والانفتاح والتعددية، والاحترافية والحريات وغير ذلك، وهي قيم أساسية إضافة إلى ما أفصحت عنه في مجال التنمية الثقافية والأمر هنا يتعلق بمؤشرات ثقافية ذات أبعاد معرفية وإبداعية مهمة جدا تقوم عليها الثقافة، غير أن الحوكمة في نظامها الأساسي قائمة على مبدأ الاستثمار والرقابة والإشراف، ولهذا فإن قيم الاسترتيجية تشكِّل الثقافة باعتبارها معرفة وتأصيل حضاري، ولهذا فإننا نحتاج إلى إضافة مؤشرات قائمة ذات بُعد استثماري يعتمد على الأرقام المالية والعائد الفعلي من الاستثمار في الثقافة.
وذكرت المكرمة بأن التنوع الثقافي هو رأس مال حوكمة الثقافة، وبه يمكن أن نؤسس نظام إدراي قادر على الاستثمار، لكن هذا التنوُّع يحتاج إلى إعادة تشكيل وتأسيس وفق مفاهيم جديدة قادرة على تحقيق الازدهار الاقتصادي والاجتماعي وبالنسبة لأنظمة رعاية المبدعين وسياساتها في حوكمة الثقافة تعد رعاية المبدعين وأحد الركائز التي يقوم عليها نظام الحوكمة باعتبارهم أصحاب مصلحة ومستفيدين من ناحية، أطراف عاملين في المنظومة الثقافية من ناحية أخرى، ولهذا فإن نظام الحوكمة يوفر لهم فرص التدريب والتواصل وبرامج التمويل، إضافة إلى الاستفادة من إمكاناتهم الإبداعية التي يمكن أن تشكِّل رأس مال فكري يجب العمل عليه من أجل تحقيق الشراكة وبناء علاقات بين أطراف القطاع الثقافي.
وقالت المكرمة بأنه لا يمكن التخطيط للثقافة بعيدا عن المجتمع الذي هو أصل هذه الثقافة، وبالتالي فإن أي نظام حوكمة لابد أن يقوم على واقع الثقافة في المجتمع واحتياجاته وأولوياته، فعُمان مثلا تتميَّز بقدرات ثقافية وإبداعية ومهارات في كافة المجالات، وهي قدرات تولدت عبر أجيال مختلفة، مما يجعلها رأس مال فكري حقيقي، إضافة إلى المواهب التي تمثِّل مستقبل الثقافة، وكل ذلك يحتاج إلى أن ينعكس في التخطيط والسياسات التي تؤطر معايير حوكمة الثقافة، وهنا لا يمكن إغفال واقع البنية التحتية التي تحتاج إلى أطر خاصة، وكذلك بناء منظومة من العلاقات بين المؤسسات الحكومية والخاصة والأفراد، وهكذا فإن الواقع واحتياجات المجتمع وأولويات هي من تحكم حوكمة القطاع.
وذكرت المكرمة بأنة لو تم تطبيق نظام حوكمة قائم على أولويات المجتمع، وبناء نظام قائم على الشفافية والعدالة والمساواةو غيرها من أسس الحوكمة، سيُغني ذلك عن محاولة تأصيل مفاهيم غير قادرة على الدفاع عن نفسها في ظل الكثير من المتغيرات التي تواجه المجتمعات عموما.
وقالت المكرمة أن الحوكمة هي نظام رقابة وهي منفصلة ومحايدة عن المؤسسات التنفيذية، فلكي تكون هناك شفافية ومحاسبة ومساواة ومسؤولية فإن الحوكمة يجب أن تكون مستقلة، لأن عملها يقوم على المراجعة والرقابة من ناحية، ومساعدة المؤسسات لإيجاد وسائل تنموية مستدامة، وهكذا تكسب ثقة المستفيد.

واختتمت المكرمة حديثها عن مؤشرات مستقبل الثقافة حيث قالت : يجب أن تقوم على مجموعة من المعايير أهمها القدرة على الصمود من خلال إيجاد نظام إداري مستدام قادر على التكيف، وكذلك القدرة على الازدهار من خلال استثمار حقيقي فاعل يقوم على مؤشرات مالية واضحة تقوم على أرقام توضح فرص العمل وفرص الاستثمار والخدمات والسلع الثقافية، إضافة إلى المعارف والتعليم في المجالات الثقافية، والحريات والعمليات التواصلية والشراكات، وهي مؤشرات قدمتها اليونسكو باعتبارها مؤشرات تسهم في التنمية المستدامة، وتقدِّم آفاق يمكن العمل عليها في ظل العديد من المتغيرات التي لا يمكن أن تتحقق سوى وفق إيجاد نظام حوكمة قادر على المراجعة والتطوير والمساهمة في تحقيق الثقة بالقيمة المضافة للثقافة.
