أحمد بن مبارك النوفلي
يدرك الكل مفهوم الصبر سواء كان كبيرًا أم صغيرًا، فمجرد قولك لأي أحد كان “اصبر” يدرك معناه، من أن عليه أن يتمتع بقوة نفسية تعينه على تحمل المكاره والصعاب إلى أن تنفرج الأزمة التي يعيشها تلك اللحظة، لكن تلك الأزمة لا تنفرج إلا بالسعي والتوكل والفعل والحراك الإيجابي سواء كان هذا الفعل مقصودًا أم غير مقصود، ففي الحركة بركة كما يقال، فكلمة “صبر” تتضمن الفعل والحراك.
أتت آيات عديدة في القرآن تذكر الصبر وتدعوا إليه، فقد وردت 103 مرات في المصحف بمصدرها ومشتقاتها، ومنها:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة: 153.
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) محمد: 31.
(وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) المزمل: 10.
وألحظ على الآيات القرآنية بعمومها في المصحف أنها تربط علاقة بين الصبر والاستعانة والصبر والعمل سواء كان عمل العبادة أم عمل اجتماعي أو غيره من الأعمال، بمعنى أنه لا بد أن يصاحب الصبر فعل إيجابي، وهذه العلاقة تشي بأن الصبر ليس تحمل المشاق فحسب مثلما تصوره مدوّنات الآثار، وقد ذكرت ذلك في كتابي (البُعد الغائب من مفهوم العمل الصالح)، وسميت هذا النوع من الصبر الذي يعتمد على الاتكالية وليس التوكل بالصبر الركودي، فهو صبر راكد لأنه لا يخرج الصابر إلى الفرج، بل يبقيه في تحمل الأذى والصعاب والمكاره.
وردت كثير من المقولات في الآثار تعرف الصبر وتمتدح الصابرين، فقد ورد في تعريف الصبر “الصبر على مشاق الطاعات وتحمل النفس المصائب” وذكر بعضهم أنه “الصبر عن المحارم واتباع الشهوات” ونلحظ على هذه التعاريف تركيزها على الطاعة والعبادة وتحمل المشاق، لكنها تغيّب الجانب العملي في الحياة، وهناك مقالات أثرية حظت على الصبر الفعلي الذي يصاحب التحمل العمل الذي يرجى منه تجاوز المحنة والمكروه، ومنها ما أثر من قول عن علي بن أبي طالب: “الصبر مطية لا تكبو”، وورد عن بعضهم: “الصبّار: هو الذي عوّد نفسه الهجوم على المكاره”، بيد أن بعض هذه المقولات المأثورة عززت من الصبر الراكد، أو أنها تناولت جانبًا واحدًا منه وهو جانب تحمّل المشاق فحسب، ومنها: الصبر “تجرّع المرارة من غير تعبيس”، “الصبر هو الفناء في البلوى بلا ظهور شكوى”، ولعل أصحاب هذه المقولات لم يقصدوا جانب تحمل المكاره فحسب، بل قصدوا مع تحمل المكاره الفعل الإيجابي للتخلص من المكاره والصعاب، لكن هذا ما نقل عنهم.
يظهر من ذلك أن الأقوال المأثورة الواردة في المدوّنات الأثرية تجمع هذه المقاولات بغثها وسمينها، دعوة إلى الصبر، وهو في حد ذاته أمر حسن لأنها حفظت لنا كل ذلك، لكن الخطأ معنا حينما لا نأخذ إلا بالصبر الراكد، وهو ما يظهر في كثير من الممارسات في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
نلحظ أحيانًا في المجتمع شخصًا مريضًا ولما تسأله لما لا تتعالج يرد عليك بأنه ذهب إلى المشفى الفلاني ولم يجد العلاج ويلقي اللوم على المشفى أو الأطباء وبعدها لا يبحث عن علاج آخر، ثم يقول لك بأنه صابر. فهذا مثال على الصبر الركودي، وإلا فما المانع من أن يبحث عن العلاج في أكثر من مشفى ولو خارج وطنه إن أمكنه ذلك، القصد أن يتحمل المكاره والصعاب ويتحمل المرض ويبحث في الوقت ذاته عن الحل، فهذا هو الصبر المطلوب الذي يربط بين التحمل والتوكل على الله، بين التحمل والفعل، بين التحمل والبحث عن الحل.
نلحظ في الآية: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) إبراهيم: 12، نلحظ فيها أنها تربط الصبر بالتوكل على الله، وربما استشف ذو النون المصري قوله: “الصبر هو الاستعانة بالله تعالى” من الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة: 153، وأقول والاستعانة الأخذ بسنن الله في الحياة، حينها سنحقق الصبر بمعناه الصحيح، الذي سيخرجنا من الأزمات التي يعيشها عالمنا الإسلامي على المستوى الفردي والجمعي، لأن الصبر فعل وليس ركودًا أو جمودًا.
