د. محمد الزّكري القضاعي
سورة قريش الكريمة (…لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ…) وثقت لنا أن مكة المكرمة معبر مهم لقوافل تجارية تربط على مدار الشتاء والصيف بين مركز تجاري جاذب لجماهير لا تنقطع من متسوقين وثنيين وبين أسواق ذات نشاط مسيحي من مثل: الشام ويعاقبة كاثوليك، ونجران الآريوسية، ويمامة نجد الأحناف النساطرة، وهجر البحرين النساطرة، وأقباط مصر الأرثوذكس، وأثيوبيا ومملكة أكسام النجاشية النسطورية.
كون مكة المكرمة مركزا وثنيا دينيا جاذبا للوثنيين على مدار العام رشحها أن تكون محطة تجارية على خط التجارة العالمية حينها. مركز يباع فيها كافة ما يحتاجه الزوار الوثنيين لها. في هذا الفصل سنتتبع المراكز التجارية-المسيحية ونُعَرّف بها وندرس الصحابة الذين زاروها ونشرح صيغ انعكاس ما تعالق بسلوكياتهم من نصرانيات ورهبانيات وروحانيات. ثم ندرس كيف غربل الرسول ص التعالقات وفرز الصالح المقبول وأشار الى الطالح غير المرغوب، ووضع عليه الصلاة والسلام الإطار الذي قنن الرياضات الروحانية ليدشن عبر الصحابة الروحانيين المسار الروحاني الإسلامي بما يقره القران الكريم.
تتبع “المسيحيون الموحدون” (Unitarianism) من أتباع الراهب آريوس (Arius (c. 250 or 256 – 336)
في هذا الفصل سنسعى الى متابعة الصحابي الروحاني الكبير عثمان بن مظعون ر. علما أنه عند الشروع بكتابة فصل بمثل هذه المهمة نجد أن هناك سؤالا غائرا في أعماق التاريخ، كان الرسول ص ملما به، ويحسن بنا أن نتتبع جذوره قبل تتبع عثمان بن مظعون ر.
حيث أن الرسول ص كان ملما بالجدل الذي سيطر على علماء دراسة اللاهوت والذي قادهم إلى إصدار فتيا تحدد ما هو مقبول مسيحيا لدى فريق ما ونعت فريق آخر بصاحب “عقيدة فاسدة” يسمونها “هرطقة” (Heresy). لذلك يسعفنا لو امتلكنا شيء من المعلومات لتمكننا من التمييز بين “الحنفيين الموحدين” من أمثال ورقة بن نوفل، “المسيحين الموحدين” (Unitarianism) من أتباع الراهب آريوس (Arius (c. 250 or 256 – 336) و نسطور أسقف القسطنطينية اﻷول Nestorius c. 386 – c. 451)) و الراهب بحيرة (Monk Bahira) ، و”المسيحيين المثلثين” (Trinitarianism)، الإلمام بشيء من الجدا اللاهوتي المسيحي سيساعدنا على فهم أشياء كثيرة من أهمها أن نعرف لماذا أختار الرسول ص مملكة أكسيم الأثيوبية (Kingdom of Axum) التي كانت مسيطرة على منطقة نجران للهجرة إليها؟
جدير بنا أن نستذكر أنه جاء في نصّ الرسالة التي أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، أنه قال: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ” [متفق عليه].
إذا الرسول ص كان عارفا بكون الراهب آريوس (Arius (c. 250 or 256 – 336) موحدا كبيرا، حيث يرى بعض الباحثين أمثال ابن حزم أن القس أريوس من كبار الموحدين. فقد قال ابن حزم في كتابه “الملل” ص.27: “منهم أصحاب أريوس وكان قسيساً بالإسكندرية ومن قوله التوحيد المجرد وأن عيسى عبد مخلوق وأنه كلمة الله التي بها خلق السماوات والأرض”.
للعلم أن التوحيد اللاهوتي الآريوسي الذي تحدث عنه الرسول ص مازال ممتد إلى يومنا هذا. ويعود الفضل الأكبر لعملية تجديد إحياء عقيدة التوحيد بين أهل المسيح إلى الأسقف “فيرينك دافيد”، (بالانجليزى: Ferenc Dávid) كان عالم عقيده من اماره ترانسيلفانيا. وهو خريج جامعة هاله الألمانية (University of Halle-Wittenberg. والأسقف “فيرينك دافيد” رحمه الله تعالى هو الذي أسس كنيسة الموحدون (Unitarian church) الآريوسية في مملكة هنغاري في عام (يناير 1568). والتي أصبح لها أفرع عدة في أنحاء من العالم.
قبل مولد الرسول ص تقريبا سنة 570 أو 571 ميلادياً ب 47 عاما أي أنه في سنة 523 وقعت مأساة في نجران دونها القران الكريم في سروة البروج: “…قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد….” صدق الله العظيم. ذكر الطبري في تفسيره أن حادثة الأخدود وقعت في نجران ويذكر الأب حارث إبراهيم في كتابه “الرواية العربيّة لاستشهاد القدّيس حارث بن كعب ورفقائه في مدينة نجران” صدرت في نيسان 2007 عن معهد التاريخ والآثار والتراث المشرقيّ. وتابعته الباحثة السعودية كوثر محمد علي في عام 2015 في كتابها:
” حادثة الأخدود بين المصادر العربية والمصادر القديمة” أن اسم الراهب الذي تحدث باسم المؤمنين كما وصفهم القران الكريم هو الحارث بن كعب النجراني (Aretas) الذي أحرق في عام 523. إذا نحن نتحدث عن وجود آريوسيون – نسطوريون في نجران. تحدد عددهم الروايات الإسلامية حيث قال الضحاك: هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيفا وثمانين رجلا، تفسير القرطبي.
إذا كانت هناك نواة حركة توحيدية آريوسية، وهم تحديدا الذين وصفهم القران بالمؤمنين، مع مسيح من هم ليسوا بآريوسيين مما يجعل الضحايا يفوق الثمانين بكثير. وقد ذكر الطبري رواية لعلي بن أبي طالب مهمة تقول لنا أن ضحايا الأخدود أحباشا. هذا يؤكد لنا أن الآريوسية وأختها النسطورية التوحيدية كانت متواجدة في نجران وفي الحبشة مع مذاهب مسيحية تثليثية. هذا الفهم لتنوع المذاهب المسيحية في نجران ذكره في صفحة 137-138 د. عوض عبدالله في كتابه:
” THE RELIGIOUS STRUCTURE OF NAJRĀN IN LATE PRE-ISLAMIC AND EARLY ISLAMIC HISTORY”.
يذكر أحمد أمين أن قُسُّ بن ساعدة الإيادي شاعر وحكيم من حكماء العرب قبل الإسلام. توفي حوالي عام 600م الموافق 23 قبل الهجرة. ومن أن ابن ساعدة كان نصرانيا وأنه أسقف كعبة نجران. ويعده الشهرستاني في كتاب الملل والنحل بين من يعتقد التوحيد ويؤمن بيوم الحساب. هذا الإفادة تؤكد أن التوحيدية النسطورية مازال لها موضع قدم في نجران إلى زمن 23 عاما قبل ولادة الرسول العظيم ص.
رحلة عثمان بن مظعون إلى أثيوبيا ومملكة أكسيوم النجاشية
Kingdom of Axum
بعد أن فهمنا البعد التوحيدي (Unitarianism) بين المسيحين مثل ما أنه تواجد بعد تثليثي (Trinitarianism) بين المسيحين ومن أن التوحيدين كانوا في نجران والحبشة نفهم لما إختار الرسول ص مملكة أكسيوم التي كانت مسيطرة على نجران وأثيوبيا كوجهة لأصحابة للهجرة إليها. فهناك بقايا موحدون آريسيون نساطرة سيتفهمون معنى “لا إله إلا الله” ومن أن عيسى بشر ورسول لله ومن أن محمد بشر ورسول لله. إلى أكسيوم هاجر الصحابي الروحاني الزاهد الكبير عثمان بن مضعون ر. إلى مملكة أكسيوم المركز المسيحي المهم جدا وقضى فيها ما بين السنتين إلى الثلاث سنوات. هذا الصحابي الجليل عاد من هناك حاملا معه سلوكيات رهبانية مهمة. حاز هذا الصحابي الولي محبة مميزة من الرسول ص. وبعد وفاته نعته الرسول ص بنعت “سلفنا الصالح”، وعن الأسود بن سريع ” … فلما مات إبراهيم بن رسول الله، صلى الله عليه آله وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: الحق بسلفنا الصالح: عثمان بن مظعون) رواه الطبراني.
وقال الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء في ترجمته لعثمان بن مظعون: “من سادة المهاجرين، ومن “أولياء الله المتقين” الذين فازوا بوفاتهم في حياة نبيهم فصلى عليهم”.
ولمّا اشتدّ أذى المشركين على الذين أسلموا، وفتن منهم من فتن، أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الاَولى إلى أرض الحبشة، التي كانت “متجراً” لقريش يجدون فيها رفقاً من الرزق وأماناً. فخرجوا متسلّلين سرّاً، وأميرهم عثمان بن مظعون، فيسّر الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة، وخرجت قريش في أثرهم، ولمّا وصلوا البحر لم يدركوا منهم أحداً.
ومكث عثمان بن مظعون وأصحابه في الحبشة، وعاد المهاجرون القداما عبر ثلاث بعثات مباركة. وعاد عثمان بن مظعون ر. مع بعثة أم سلمة ر. وهي البعثة العائدة الأولى. علما أنه اشتهر بين مؤرخي السيرة أن المهاجرين هجرة الحبشة الثانية قد رجعوا إلى المدينة في العام السابع من الهجرة. عليه تكون المجموعة الأولى قد رجعت مبكرًا جدًّا؛ وذلك بعد حوالي عامين من هجرتهم؛ أي في أوَّل العام الثالث عشر (من البعثة) تقريبًا!
العلاقة مع الأرثودوكسي القبطي ملك أكسوم النجاشي أصحمة بن أبجر (توفى سنة 630م)
أصحمة بن أبجر الحبشي النجاشي. النجاشي أصحمة بن أبجر (توفى سنة 630م) كان أحد ملوك الحبشة. استقبل الصحابة المهاجرين إليه، واجتمعوا به في الفترة ما بين 610 ـ 629 م ويسمي (أرمها). وهو الوحيد الذي صلى عليه رسول الإسلام صلاة الغائب لما علم بوفاته قال عنه الرسول محمد إنه ((ملك لا يظلم عنده أحد))”
دخلت المسيحية الحبشة عندما اعتنق ملكها الملك إيزانا الثاني (King Ezana II) المسيحية وذلك قرابة عام 324 ميلادية بواسطة معلمه فرومنتيوس (Frumentius)، الذي أسس الكنيسة القبطية الأكسومية (Axumite Coptic Church) في مدينة أكسوم (هي مقر مملكة أكسوم من القرن الأول حتى القرن الثاني عشر) والتي أصبحت فيما بعد الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية. كان فرومنتيوس على اتصال مع كنيسة الإسكندرية، وعُيِّن أسقفًا لإثيوبيا حوالي عام 330 ميلادية. المهم علينا الإنتباه أن كنيسة الإسكندرية لم تتدخل بشكل وثيق في شؤون كنائس أكسوم مما أعطى مساحة لفهم اللاهوت والناسوت بطريقة غير متوافقة مع فكرة التثليث الإسكندرانية.
ويُؤَكِّد -أيضًا- هذا الأمر أننا اطَّلعنا على عدد من قصص الهجرة من مكة إلى المدينة، يُشارك فيها فريق من الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة قبل ذلك؛ مما يُؤَكِّد أنهم عادوا إلى مكة، ثم انطلقوا منها إلى المدينة، ومن هؤلاء أبو سلمة وأم سلمة رضي الله عنهما، وقصة هجرتهما إلى المدينة من مكة مشهورة؛ ومنهم عثمان بن مظعون رضي الله عنه الذي كان من أوائل مَنْ مات بالمدينة فهذا يعني أنه أتى مكة أولًا ثم هاجر مبكرًا إلى المدينة، ومنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي هاجر كذلك إلى المدينة من مكة مع زوجته رقية رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عندما عاد عثمان بن مظعون ر. بدأ يمارس رياضات روحانية كما أخذ يستشير الرسول ص. ليأذن له بممارسة رياضات قاسية على جسد الإنسان أشياء أشتهر بها مسيحيو الكنيسة الإسكندرية والقدس. ولكن الرسول ص شجع عثمان ر. على ترك الرهبانية الصلبة لصالح ممارسات تعبدية ناعمة. رفض الرسول ص الإختصاء و عدم ترك الناس والعيش بمفرده في الصحاري و الجبال.
فعن ابن شهاب: أنّ عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الاَرض، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أَليس لك فيّ أسوة حسنة؟ فأنا آتي النساء وآكل اللحم وأصوم وأفطر، إنّ خصاء أمّتي الصيام، وليس من أمّتي من خصى أو أختصي (السلسلة الصحيحة للألباني).
وروي أيضاً عن عثمان أنه قال: قلت لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا رسول الله! أردت أن أسألك عن أشياء، فقال: وما هي يا عثمان؟ قال: قلت: إنّي أردتُ أن أترهب، قال: لا تفعل يا عثمان، فانّ ترهّب أمّتي القعود في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. (- الطوسي، تهذيب الأحكام، ج4، ص.191-193)
قال: فإني أردت يا رسول الله! أن أختصي، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا تفعل يا عثمان، فإنّ اختصاء أمّتي الصيام (ابن سعد، الطبقات، ج3، ص394).
وروي أيضاً أنه قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ نفسي تحدّثني بالسياحة وأن ألحق الجبال، قال: يا عثمان لا تفعل، فإنّ سياحة أمّتي الغزو والجهاد.
وروي: أنّه اتخذ بيتاً يتعبّد فيه، فأتاه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأخذ بعضادتي البيت وقال: يا عثمان، إنّ الله لم يبعثني بالرهبانية ـ مرّتين أو ثلاثاً ـ، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة..
الطبقات، 3: 394 ـ سير اعلام النبلاء، 1: 157.
رحلة أبو ذر الغفاري ر. إلى أعماق حنفية بني حنيفة في نجد
وجد أبو ذر جُنْدَب بن جنادة الغفاري (ت 31 هـ، 652 CE) أن إقامته مع قومه غفار غير منسجم مع سجيته المحبة الإلتزام بأعراف العرب بعدم القتال خلال أشهر الله الحرم. في ذلك يقول أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار أنا وأخي أنيس وأمنا (رملة بنت الرفيعة)، وكانوا يَحِلّون الشهر الحرام، فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وذي هيئة طيبة. هذا الخال من طرف أرحام أم والدته وهو نجدي ثري. المصنف – ابن أبي شيبة الكوفي – ج 8 – الصفحة 450.
نعلم أن أبو ذر إستقر فترة من الزمن في نجد وفي تلك الفترة بدت عليه ملامح الحنفية تظهر. فكما روى لنا مسلم في صحيحة أن أبو ذر ر. كان موحدا قبل إسلامه بثلاث سنوات أي أبان إقامته في نجد. لذلك سنستعرض ملامح الحنفية والنسطورية في اليمامة ونجد.
فيذكر الأب ألبير أبونا في ” تاريخ الكنيسة الشرقية “أبونا ج 2 ص 15 أنه في مدينة اليمامة (الرياض حاليا) الواقعة في الجنوب الشرقي من نجد والحجاز، كان للمسيحية أنصار عديدون في قبيلة بني حنيفة القوية، والتيارات المسيحية نفسها القادمة من سوريا ومن ما بين النهرين، كانت قد نقلت الأفكار المسيحية إلى قلب البلاد العربية، أي إلى نجد حيث كانت تحكمها قبيلة كندة التي أنجبت امرؤ القيس حليف الملك يوستيانوس البيزنطي ( 527 – 565 م ).
كما ذكر الأب ألبير أبونا عن وجود أسقفيات نجران واليمامة وسوقطرى: يقول الأب ألبير أبونا: وفي اليمامة الواقعة في الجنوب الشرقي من نجد والحجاز، كان للمسيحيين أنصار عديدون في قبيلة بني حنيفة القوية.
وساهم الاتصال الوثيق الذي لنصارى العربية الشرقية بأهل الحيرة في انتشار المذهب النسطوري في تلك البقاع. فتأتي المراجع إلى ذكر الراهب عبد يشوع القناني (نسبة الى قرية قنى في العراق) الذي عمّد أهل اليمامة، وقد عرف معظم أهلها من النصارى عند ظهور الإسلام. وفي المراجع السريانية، أن عبد يشوع أنشأ في جنوبي قطر، ديرا باسم مار توما، زاره نحو سنة 390م.
لمسيحية العربية، الاب ميشال نجم، ص 70، جواد علي، فصل 80، النصرانية وآدابها، الأب لويس شيخو، ج1 ص 71
كما ورد ذكر البطريرك إيليا النجدي الذي رأس الكرسي البطريركي عام 494م.
اتبع النساطرة في التبشير نظم إدارية كنسية، فجعلوا في بيث قطريا (قطر) كرسياً مطرانياً خاضعا لبطريرك ساليق يشرف على إدارة خمسة أسقفيات. وقد اشتركت قبائل الكنديين بشكل فعلي في العمل التبشيري بين أبناء جنسهم العربي، وبشكل خاص في اليمامة، التي كان عليها هوذة بن علي الحنفي، أحد ملوك المسيحيين وذو مكانة عند العرب. ومن شعر للأعشى مدح به هوذة بن علي حاكم اليمامة. هوذة بن علي بن ثمامة بن عمرو الحنفي من بكر بن وائل النسطوري، صاحب اليمامة في نجد، شاعر بني حنيفة وخطيبها قبيل الإسلام وفي العهد النبوي. ملك نصراني حكم إقليم اليمامة (منطقة الرياض حاليًا) وسيد من أسياد العرب، وزعيم بني حنيفة في الجاهلية، وشاعر ذا قدر عالٍ في قومه، له شرف وذكر، وصاحب تاج ورأي وحيلة.
الأعلام – خير الدين الزركلي – ج 2 – الصفحة 28
أبو ذر الغفاري: يُشَبّه بعيسى بن مريم عبادةً ونسكاً
قال أبو نعيم: اختلف في اسمه ونسبه، وكان يتعبد قبل مبعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاث سنين تقريبا عام 607 CE، يقوم بالليل مصلياً، حتى إذا كان آخر الليل سقط كأنه خرقة، ثم أسلم بمكة في أول الدعوة، وهو رابع الإسلام، وهو أول من حيا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتحية الإسلام، وبايع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ألا تأخذه في الله لومة لائم، ثم كان يشبه بعيسى بن مريم عبادةً ونسكاً، لم يتلوث بشيء من فضول الدنيا حتى فارقها. ثبت على العهد الذي بايع عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من التخلي عن فضول الدنيا، والتبرئ منها؛ كان يرى إقبالها محنةً وهواناً، وإدبارها نعمةً وامتناناً. حافظ على وصية الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له في محبة المساكين ومجالستهم، ومباينة المكثرين في مفارقتهم. كان يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا فرغ منه أوى إلى مسجده، واستوطنه. سيد من آثر العزلة والوحدة، وأول من تكلم في علم الفناء والبقاء. كان وعاءً ملئ علماً فربط عليه.
مسند احمد – الإمام احمد بن حنبل – ج ٥ – الصفحة ١٧٤
كما أورد الطبراني هذا الحوال: ثم أخذ أبو بكر – رضي الله عنه – بيدي ، فقال : يا أبا ذر ، فقلت : لبيك يا أبا بكر ، فقال : هل كنت تأله في جاهليتك ؟ (أي تقول لا إله إلا الله) قلت : نعم ، لقد رأيتني أقوم عند الشمس ولا أزال مصليا حتى يؤذيني حرها ، فأخر كأني خفاء ، فقال لي : فأين كنت توجه ؟ قلت : لا أدري إلا حيث وجهني الله – عز وجل – حتى أدخل الله علي الإسلام ” . المعجم الكبير، الطبراني
كان رجلاً آدم طويلاً أبيض الرأس واللحية، توفي بالربذة، فولي غسله وتكفينه والصلاة عليه عبد الله بن مسعود في نفر كان منهم حجر بن الأدبر، سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بها. وكان يؤاخي سلمان الفارسي. لم تقل الغبراء، ولم تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق منه.
تاريخ مدينة دمشق – ابن عساكر – ج ٦٦ – الصفحة ١٧٦
الربذة- منطقة رملية صحراوية
قبر أبي ذر الغفاري ر حيث خرج (أو أُخْرِجَ) في خلافة عثمان بن عفان ر حول اختلاف الرأي بينه وبين الخليفة عثمان في اكتناز المال فأقام بالربذة ومات وحيدًا في سنة 32 هج. الملفت أن أبو ذر قرر أن يعيش حياته في خلوة صحراوية. كأنما كان يترهب ولكنه رضي الله عنه أخذ زوجته وابنته معه. هكذا لم يقلد الرهبان بل اختط له خطا إسلاميا جمع بين الخلوة وعدم ترك البشر والزوجة وحق السرير.
أبو ذر ر. خاض تجربة إيمانية تبلورت في نجد وأثمرت مع الرسول ص في صقل شخصيته. حياة النسطورية والأديرة ذات جاذبية لشخص روحاني حساس مثل أبو ذر ر. ولكن للإسلام مشروعه الخاص به. فوضع قوالب تخص الدين الجديد ناسب ذوي الإحتياجات الروحانية الخاصة. وفي ذات الأوان تبتعد عن إيذاء الجسد أو العقل أو الذهن. إن أبا ذر الغفاري ر. قد التزم بدقة بأوامر الدين، وتمتّع بسجايا مختلفة، وأعلى الهمّة في حياته الدينية، واستحقر الدنيا، وأقام حياته على الزهد والتقوى، وحافظ على منهجه هذا حتى وفاته، ومن ثم كان صحابيًّا عظيمًا حظي بثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم.. تحول أبو ذر الى مثال يحتذي به أهل التصوف لاحقا من مثل: المحاسبي، وإبراهيم بن أدهم، وفضيل بن عياض، يستطيع أن يرد الدنيا ومتاعها وثرواتها بظهر يده، وبكل سهولة!
أبو قيس صرمة بن أبي أنيس الخزرجي من بني النجار
الصحابي أبو قيس صرمة بن أبي أنيس ر كان راهبا قبل الإسلام من أهل المدينة المنورة ، وهو من بني النجار من أهل يثرب وتقول الأخبار إنه فارق الأوثان واغتسل من الجنابة ، وتطهر قبل الإسلام، ودخل بيتاً له اتخذه مسجداً لا تدخله طامث ولا يدخله جنب ، ورفع شعار “أعبد رب إبراهيم” ، وكان رحمه الله تعالى قوالا بالحق ، معظما لله ، وقال ابن حجر : إنه لما قدم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى يثرب ، أسلم وحسن إسلامه، وهو شيخ عجوز، وكان ابن عباس يختلف إليه ويأخذ عنه الشعر. (ابن هشام : السيرة ج1 ، ص 510 .)
روى عنه ابن الأثير في أسد الغابة (3: 18) أنه “كان ترهب في الجاهلية ولبس المسوح” فما هو لباس المِسْحُ؟ ورد في قواميس اللغة أن المِسْحُ : الكِساءُ من شَعَر،ٍ والمِسْحُ :ثَوبُ الرَّاهب. وكتب المسيحيون شارحين أن المِسْحُ (Sackcloth) قماش خشن غليظ يعمل منه الأكياس وهو ينسج من القنب أو شعر الماعز وكان يلبس علامة للتوبة أو الحزن. فلذلك تقرن هذه الكلمة غالبًا بما يدل على النوح والظلمة والمسح هو الثوب من الشعر (كثوب الرهبان) يُلبس على البدن تقشفًا وقهرًا للجسد، والجمع: مسوح. وكان المسح يصنع عادة من شعر المعز، أسود اللون وكانت تصنع منه الزكائب أحيانًا. بعد ذلك سقط اسم المسوح واستبدل بتعبير لبس الصوف.
عليه يكون الصحابي أبو قيس صرمة النجاري ر أول من لبس الصوف ولم يرد لنا نهي الرسول ص له عن ذلك. إنما النهي الذي ورد بصيغة عامة (لا ضرر ولا ضرار: حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني) من مثل عدم مضايقة الجسد وتعذيبه. ولأن المسوح قماش خشن غليظ فإنه يؤذي الجسد لذلك لا يجدر بالمسلم أن يعذب جسده في مثل هذه الأمور.
ولأبو قيس صرمة بن أبي أنيس ر شعر روحاني زهدي :
فو الله ما يدري الفتــــي كيف يتقـــي
إذا هو لــــــم يجـــعـــل له الله واقيـــــــا
و لا تحفل النخــل المعيمــــة ربـــها
إذا أصبـــــــحت ريا وأصبـــح ثــــــاويا
وقوله :
يا بني الأيام لا تأمنوها واحـــــذروا مـــــــــــــــكرها و مــــر الليالـــــي
واعلمـــــوا أن أمـرها لنفاد الخلـــــق
مـــــا كــــأن من جـــــــديد و بالي
وقوله :
سبحوا الله شرق كل صبـــــــاح
طلعت شمـــسه وكل هلال
عـالــم الــــسر و البيــان لـــــدينا
ليس مـــا قـال ربنا بضـــــلال
ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة ، مطبعة السعادة ، القاهرة 1323 هــــ ، ج3 ، ص 626 .
هكذا رأينا الراهب الناسك المديني أبو قيس صرمة بن أبي أنيس النجاري برزت عليه ملامح رهبانية امتدت معه إلى بعد إسلامه. ونشاهد أنه أول من لبس الصوف في المدينة المنورة وليس في البصرة كما يشاع. ولكن الحركة الروحانية التي كانت تقتبس من الديانة المسيحية المباركة رسوم وعادات الرهبانية تم تقنينها عبر المرشد الرسول الكريم ص. ووجهنا الرسول ص إلى نبذ الرهبانية القاسية لصالح روحانية لا ضرر ولا ضرارية مسالمة مدنية حضرية. هؤلاء الصحابة الروحانيون كانوا نواة لحركة روحانية صوفية كبيرة مباركة.
