مريم الحتروشية
هكذا يتوارى العظام في ليالٍ عظيمة ، حين تغيبُ النجومُ التي سطعت على سمائنا ،على سماء الوطن وعلى سماء الذاكرة وعلى سماء الأجيال عمراً زاهراً وعملاً نيّرا ، وأنموذجاً يحتذى به ، الهامات التي شقّت طريقها باكراً جداً حين كانت الأرض تغصُّ في ظلماتِ الجهل ،كانت قلوبهم تطمحُ إلى النور ، وتشدُّ رحالها إلى ينابيع العلم الصافي، وكان “ناصر حميد” علماً في رأسه نارُ ، من أعلام تلك الحقبة ، تتبّع منابعَ العلم خارج عمان في أربعينات وخمسينات القرن الماضي ، ثم عاد يحمل زاداً وزوّادةً من العلم المبحر في اللغة الإنجليزية ، ليكون أستاذاً ومعلماً، وصانعاً للأجيال ، حين ندرت الصناعاتُ وقلّ كتبةُ العلم وحفظته وأساتذته كان الأستاذ الذي مدّ الطريق ، ومهد السبيل ، ورفد الأجيال، ثم تناقلت به المناصب وتباهت ، وتسامت به المسميات فكان المثل الأعلى والقدوة الفاضلة ، والحكمة التي تقتضي حنكتها في كثير من المواقف.
رحم الله الشيخ ناصر بن حميد الفارسي ، والمدير العام للتربية والتعليم الأول في الشرقية ، رحم الله تلك الروح الوّثابة في خدمة واجبات الوطن ، ورحم اللهُ جميع من فقدنا ، تلك النجوم التي أنارت سماء صور ، تلك العلامات التي اهتدينا بها في حلكة الأزمان التي أنذرت الإنسان بالمخاطر السياسية والاقتصادية والمعيشية، سلاما لهم ورحماتٍ من الله تترى ، سلاماً لهم حين صارعوا الصعاب وغامروا في مهامهِ البحار ؛ ليهبوا لنا الحياة الكريمة ، ركزوا راياتِ العزةِ والعنفوان وسطروها على التاريخ عالياً ببسالة نادرة ، وبطولاتٍ هادرة،
وها هو نجمٌ زاهرٌ يعلن المغيب عن سمائنا الدنيا ، فإلى جنان الخلد ، وإلى مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر .
رحم الله أمواتنا وأمواتكم جميعا ، وعظم الله أجر صور فيمن فقدت من نجومها ، وفيمن احتض ترابها من هاماتها ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون .
ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك
