الكاتب: بدر بن سالم العبري
لما نتحدث عن الشّوكانيّ [ت 1250هـ] فنحن نتحدث عن شخصيّة لها جناحان: جناح المحدث، وجناح الفقيه، فهو من كبار فقهاء صنعاء، وهو في الأصل زيديّ، إلا أنّه تأثر بمدرسة أهل الحديث، وبالمدرسة السّلفيّة خصوصا الّتي هي وريث لمدرسة أهل الحديث الأولى قبل أن تتطور مع الأشاعرة والماتريديّة.
والشّوكانيّ عاش في قترة ذات تراجع حضاريّ ومعرفيّ في العالم الإسلاميّ، مع صعود النّهضة الغربيّة، ولسبب عزلة العالم الإسلاميّ أبان الدّولة العثمانيّة عموما، ودولة الإمامة الزّيديّة بالنّسبة لليمن خصوصا، هذا بلا شك سيسقط دوره على الجانب المعرفيّ.
وبما أنّ الاتجاه الصّوفي كما رأينا مال إلى التّوسع في السّماع، وهذه الفترة بدأ التّيار السّلفيّ المعادي للتّصوف في الظّهور، وعليه سيسقط الأثر على قضيّة السّماع، فلهذا الشّوكانيّ في هذه الرّسالة يناقش قضيتين مهمتين: الأولى أنّه لا يوجد إجماع أصلا في حرمة السّماع، والقضيّة الثّانية يناقش القضيّة الأصوليّة في قضية التّكفير من خالف أو أنكر الإجماع، فهذه مسألة مختلف حولها، وهل حجته ظنيّة أم قطعيّة، أم له مراتب كمراتب الحديث كالمتواتر والمشهور والأحاد، أم يفرق بين إجماع الصّحابة وغيرهم، ولهذا ينقل عن زين الدّين [ت؟] أنّه لا يكفر منكر إجماع سكوتيّ أو أكثريّ، أو ظنّيّ منقول بالآحاد، قيل وكذا ما لم يبلغ المجمعون فيه عدد التّواتر؛ لأنّ العلم بحجيّة الإجماع ليس داخلا في الإيمان لأنّه نظريّ.
فالكتاب في جملته جاء لإبطال نظريّة الإجماع وما يتعلّق بها من تكفير البعض، وعليه سيركز على جانبين: جانب ذكر بعض من أجاز ذلك من المتقدّمين وحتى المتأخرين، وجانب مناقشة بعض الأدلّة، والّتي يظهر فيها أنّ الشّوكانيّ يميل إلى الإباحة بدرجة أكبر من رؤية الغزاليّ [ت 505هـ] وأقرب إلى رؤية ابن حزم [ت 456هـ]، ويستشهد بقول ابن طاهر [ت 507هـ]: أنّه لم يصح في هذا الباب شيء، وبقول أبي القاسم عيسى بن ناجيّ التّنوخيّ [ت 837هـ] في شرح رسالة أبي يزيد: لم أعلم في كتاب الله، ولا في السّنة حديثا صحيحا صريحا في تحريم الملاهيّ، وإنّما ظواهر وعمومات يتأنّس بها لا أدلّة قطعيّة.
بيد أنّ الكتاب لا يتطرق إلى الجانب الفلسفيّ أو التّحليل الصّوفي للسّماع لمخالفة الشّوكانيّ لهذا الاتجاه، وهنا نشير بصورة سريعة إلى الجانب الأول، ولا نتطرق إلى الجانب الثّانيّ؛ لأنّ هذا له مبحثه الخاص.
فيستشهد ببعض الصّحابة ممّن أجاز السّماع والغناء مثل الصحابة عبد الله بن جعفر [ت 80هـ] أنّه كان لا يرى بالغناء بأسا، ويصوغ الألحان لجواريه، ويسمعها منهنّ على أوتاره، وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [ت 40هـ]، وأنّ عبد الله بن الزّبير [ت 73هـ] كان له جوار عوّادات، وأنّ ابن عمر [ت 73هـ] دخل على ابن الزّبير وإلى جنبه عود، فقال ما هذا يا صاحب رسول الله؟ فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، فقال: هذا ميزان شاميّ، فقال لابن الزّبير: توزن به العقول.
ومن التّابعين مثلا يستشهد أنّ عمر بن عبد العزيز [ت 101هـ] كان يسمع من جواريه قبل الخلافة، وأنّه ورد التّرخيص في الغناء عن طاووس بن كيسان [ت 106هـ].
ويرى حكاية عن أبي الفضل بن طاهر في مؤلفه في السّماع أنّه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود، قال ابن النّحويّ [ت 513هـ] في العدة: قال ابن طاهر هو إجماع أهل المدينة.
وترخيص أهل المدينة أثر في قول مالك بن أنس [ت 179هـ]، وحكا عن الرّويانيّ [ت 415هـ] عن القفال [ت 365هـ] أنّ مذهب مالك بن أنس[2] إباحة الغناء بالمعازف، وهي الآلات الشّاملة للعود وغيره، وعن المالكيّة أخذ الظّاهريّة.
وبهذا تتضح لنا رؤية الشّوكانيّ، فمع ميوله إلى الجواز وإن لم يصرح، إلا أنّ الهدف من الرّسالة كما أسلفنا إبطال نظريّة الإجماع في تحريم مطلق السّماع، وما يتعلّق بها من نكير وتكفير.
يتبع الحلقة [الثّالثة والعشرون] ………………….
الهامش
(1) ينظر: الشّوكاني: محمد بن عليّ؛ إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السّماع، تحقيق محمد صبحي بن حسن حلاق؛ وينظر ترجمته: الزّركليّ: خير الدّين؛ الأعلام، مصدر سابق، ج: 6، ص: 298.
(2) سيأتي بيان مذهب المالكيّة في مبحث المذاهب.
