مرتضى بن حسن بن علي يكتب: مع عهد سلطاننا هيثم.. أي عُمان نريد؟

مرتضى بن حسن بن علي

من عام 1970، دخلت عُمان إلى القرن العشرين وعاشت فيه- بالطول والعرض- تقدمت قفزات كبيرة إلى الأمام، واجهت مشاكل وتحديات، وخاضت حروباً ضد الفقر والجهل والمرض والعزلة وحققت انتصارات مشهودة، بنت للحياة وطرقت المُستقبل من أبوابه التي بدأت تتسع، أصبح عام 1970 بداية عصر جديد في مسيرة التاريخ العُماني.

عصر دخول عُمان إلى القرن العشرين في الثلث الأخير منه، بدأ البلد ينفتح على الحياة وينفتح على الدنيا، بدأت عُمان بمحاولات لفك مغاليقها بعد طول انغلاق، وتكسر وتتخلص من آثار الحصار، كانت عيونها لحاضرها ناضرة، وإلى غدها ناظرة، وإلى مُستقبلها مستبشرة.

منذ ذلك اليوم المجيد بدأ الإنسان العُماني يمشي وعيونه شاخصة إلى المستقبل، على صدره شارة جديدة كتبت بأبجدية جديدة وبمداد مُغاير، ويسعى نحو التقدم ليؤصل وجوده من جديد. وبدأت عُمان الدخول إلى قلب العصر والأحداث بحاضرها المظفر بروح الحداثة المسؤولة، والمظفر بالإقلاع المتواصل نحو المُستقبل ولسياساتها المتسمة بالعقلانية والمتوسمة بالدبلوماسية الهادئة.

عُمان وهي تبدأ عامها الثاني والخمسين من تاريخ نهضتها الحديثة، تحتاج إلى ثقة أكثر بنفسها، وقدرة أكبر على الحوار المستمر مع كل الأطراف، ومراقبة أدق للأحداث، وتناغم أوفى مع الزمن وتقلباته وتغيره المستمر، من حقها وواجبها مراجعة تجاربها وخياراتها، حيث إنها تواجه تحديات مختلفة عن تلك التي واجهتها خلال العقود الماضية، والمراجعة الأمينة حساب يجمع ويطرح، وهو في النهاية يضيف منجزات أو يضيف خبرات ويصبح تراكمها أرصدة توفر لها الطمأنينة، وتساعدها على المساهمة بشكل أكبر في حمل رسالة أوسع، رسالة مضمونها: أن تصون ولا تبدد، رسالة دولة تسعى بتهيئة مواطنين مبدعين يعيشون في ود وسلام وانسجام مع العصر الذي ينتمون إليه.

عُمان بحاجة ماسة لاستثمار كل فرصة لبناء قاعدتها العلمية والاقتصادية المتنوعة والمتطورة، بعد أن ضاعت منها فرص عديدة، ذلك يتطلب منها بذل محاولات أكثر جدية وأشمل تنسيقا لتحديث دولابها الإنتاجي وتحديث أطرها التعليمية والاقتصادية والإنتاجية والاجتماعية، وتسريع خطواتها وتطبيق مبادئ الثواب والعقاب، والمراقبة المستقلة والحوكمة على كل خططها. عُمان تحتاج اليوم إلى جهد جماعي يشترك فيها الجميع لتصيب أهدافاً نافعة، ويساعدها على مزيد من التقدم واليسر المعيشي من جهة، والمطالب بممارسة مزيد من الدقة والاتقان في الفكر والاجتهاد والعمل والإنتاج من جهةٍ أخرى.

عُمان بقدر رجاحة اجتهادها اليوم سوف يأتي تقدمها في الغد وبعد غدٍ، لا مشكلة أن تخطئ شريطة أن تكون لها القدرة والإرادة والإدارة للتصحيح وبصورة متزايدة، كلما لاح هناك انحراف، وكلما تم رصد خطأ، من أجل ذلك فهي بحاجة إلى مراقبة مستقلة ومسلحة بالقوانين والأنظمة، لتصحيح أي انحراف يُرصد، وتقليل أي إهمال الذي يبطل العديد من الإيجابيات ويهبط بمستوى الأداء، ولا نرى فيها إهمالا متزايدا يهبط بمستوى الأداء، ولا نرى فيها تنافساً على السلطة غير شريف، أو عدم وجود تنسيق بين الجهات الحكومية والأهلية المختلفة يجهض كثيراً من الجهود حول الصالح الوطني العام.

عُمان لا نرى فيها نهمًا يحدو بعضًا على الإثراء على حساب الناس الآخرين، عُمان فيها مواطنة متساوية بين الجميع، عُمان لا نرى فيها إسرافًا في الاستهلاك يهدر المورد العام، ولا يُحسن من نوعية الحياة، نتطلع لعُمان أن تقوم على إيجاد حلول لمشاكلها بنظر ثاقب وبعد نظر، نظر قبطان مجدد لنهضة مجددة.

على صعيد فرد أو جماعة أو وطن، لا يضير أن نخطئ، فالخطأ أمر وارد في أيما اجتهاد أو تصرف بشري: “هو لا يخطئ من لا يعمل” مثل شائع وصادق. الذي يضير فعلاً هو أن نأخذ قرارات ارتجالية ومن دون أية دراسات أو مشاورات أو نتعمد الخطأ، أو أن نكرره دون اكتراث، أو أن نفقد القدرة على تصحيح الخطأ، أو أن نبتعد عن التصحيح عند رصده، إن أي خطأ لا يستدرك يتفاقم، وعُمان أمام أخطاء تنتظر من مفكريها ومثقفيها ومسؤوليها التدارك والمبادرة إلى التصحيح، سلامة عُمان تكمن في تميز وتفوق إنجازات أهلها في شتى المجالات، مرتهنة بنفس ما ترتهن به سلامة سائر الأوطان: إنها مرتهنة ليس بما هي تصيب فيه فحسب، بل أيضاً تصحح ما تخطئ فيه، ذلك أن استحقاقات الحياة الحضارية- الحياة الطيبة الآمنة، المتطورة، الموفورة معاشاً، النامية علماً، المترقية خلقًا- هي ذاتها في الخبرة البشرية على الإطلاق، ذلك أيضاً أن الطبيعة المتسقة أبدًا مع مشيئة الله، الدافعة دومًا إلى تحقيق الأوفى والأحسن في الخبرة البشرية، تطالبنا دأبا، أفرادا ومؤسسات وأوطانا، بارتقاء مطرد، فإذا استمررنا في الخطأ، وتقاعسنا عن التصحيح، فهي قد تمهل لأجل، لكنها لا تمهل لأجل مفتوح، والتاريخ وبيمينه تجربة وفي شماله تجربة، يثبت ذلك، التاريخ ليس علم الماضي فقط، وإنما هو عن طريق استقراء دروسه وتجاربه يمكن أن يكون علم الحاضر والمستقبل.

بمناسبة دخولنا العام الثاني والخمسين من عُمر نهضتنا، نتطلع إلى بناء عُمان فتية عصرية وليست معاصرة فقط، قادرة على تحمل وزن الكم الكبير من العواصف والتحديات، عُمان تحمي ولا تهدد، تصون ولا تُبدد، عُمان لا تتحزب ولا تتعصب، لا تنحرف ولا تنحاز، وتنشر رسائل التسامح في محيط مضطرب ذلك هو الخيار وسر استمراريتها في لعب دور مهم إقليمها، دور الانفتاح على الداخل والخارج، دور التسامح الديني والنهضة والتنوير الذي يليق بها وبتاريخها في ظل القيادة الرشيدة لجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله-.

إن التاريخ يجيء دائمًا ليقدم قوائمه بالفائزين والخاسرين؛ ذلك أن التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والتطورات التكنولوجية، شأنها شأن الحروب والدورات والسباقات الرياضية، لا تنطوي في العادة على منفعة لجميع الأطراف، إن من ينتفع بالتقدم هي الفرق والجماعات والمؤسسات والأوطان التي غدت قادرة على ترسيخ العلوم والوسائل الحديثة لمصلحتها، فيما لحق الضرر بالجماعات والمؤسسات والأوطان الأخرى الأقل استعدادا للاستجابة للمتغيرات التكنولوجية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية.

نأمل أن تكون السنين القادمة لعُمان سنينا تتمكن من خلالها أن تختزل ما فاتها من عقود عديدة، فالأصفار لا تعني شيئا في قواعد الحساب، إلا إذا كانت في وضعها الصحيح، أي على اليمين وليس على اليسار..

وكل عام وعُمان وشعبها الوفي بألف خير، كل عام وجلالة السلطان المعظم بألف خير.