بدر بن سالم العبري يكتب: الرّحلة التّكساسيّة (6)..زيارة مؤسسة التّعاطف والتّعايش

بدر بن سالم العبري 

في صباح يوم الأربعاء الرّابع عشر من أغسطس ارتأى مجموعة من الشّباب أنّ نعمل قراءة في أحد كتبي، واخترت حينها إضاءة قلم؛ لأنّه يتحدّث عن التّعايش، ولكن لظروف طارئة في عدم مناسبة الوقت يومها ارتأينا التّأجيل إلى يوم آخر، بيد أنّ الظّروف لم تتح لكون الجدول مزدحما، فأخذت في الصّباح شيئا من الرّاحة، مع بعض الأعمال الكتابيّة، فقد كنت حينها أصحح كتابي الجمال الصّوتي: مراجعة في النّص الدّيني حول الغناء والمعازف لأجل طباعته من قبل الجمعيّة العمانيّة للكتّاب والأدباء، والآن ناشرون في الأردن.

وعموما قبل الظّهر ذهبنا إلى منطقة Compassionate Dallas – FT Worth في دالاس، وهي تبعد عن النّزل عشر دقائق، والمنطقة يكثر فيها الأسواق والمطاعم والمساجد العربيّة؛ لأنّ أكثر العرب يسكنون فيها.

ذهبنا إلى مؤسسة التّعاطف والتّعايش Compassionate DFW، مع الطّبيب تشالرز باركير، إذ أسس هذه المؤسسة والّتي تعنى بالتّعاطف والتّعايش بين الأديان من جهة، وبين الجنس البشري من جهة ثانيّة، واهتمامهم بالأديان لما لها من تأثير في المجتمع، فإذا قامت رسالتها على التّعاطف والتّعايش، ونشر المحبّة والسّلام، هذا بدوره سيؤثر في شريحة كبيرة من النّاس، إلا أنّ هذا لا يعني إهمال بقيّة أفراد المجتمع، ممّن لهم توجهات أخرى.

ولمّا وصلنا رأينا الطّبيب تشالرز باركير ينتظرنا بالخارج، وهو كبير في السّن، وكان الجوّ رائعا مع المطر الخفيف، والطّبيب وضع هذه المؤسسة التّطوعيّة، وهي عبارة عن بيت قسّمه إلى مكاتب صغيرة، وتساعده في ذلك كما أخبرنا ابنته، والعديد من المتطوعين، والجميل عندهم ممّا وجدته أنّ العمل التّطوعي حاضر بقوّة، والفرد يمارس العمل التّطوعي من صغره، حتّى في يومه بعد عمله يلتحق بأيّ عمل تطوعي يخدم المجتمع، فإذا تقاعد لا يجد فراغا، بل يساهم في الخدمات المجتمعيّة، أو يؤسس بذاته عملا مجتمعيّا في أيّ مجال كان، حيث أنّ البعد الإنسانيّ حاضر عندهم بقوّة.

في الابتداء أخذنا جولة على البيت والمكاتب، ورأيناه رتّبها في شكل هندسي بديع، من حيث الدّيكور وبساطة المكتب، فغالبها عبارة عن كرسيين أو ثلاثة على طاولة صغيرة، ونافذة مفتوحة على الحديقة ذات الأشجار الجميلة والمنظمة، فيعطيك المكان نوعا من الهدوء والطّمأنينة، كما يوجد عند الدّرج طاولة فيها منشوراتهم، وهي عبارة عن مطويات، وكتاب حول الموضوع أصدرته المؤسسة.

وهنا خيرنا أيّ مكتب نريد تسجيل الحلقة فيه، فاخترنا مكتبا فيه أكثر إضاءة في الطّابق الأعلى، حيث سجلنا معه حلقة حوارات (49) حول مؤسسة التّعاطف والتّعايش Compassionate DFW، وبثت يوم السّبت في السّابع عشر من أغسطس على قناة أنس اليوتيوبيّة.

في البداية تحدّث أنّه لا أحد يولد وفي قلبه الكراهيّة ضدّ أحد، مهما اختلف عنه، فهو مولود على فطرة بيضاء نقية، ومع مرور الزّمن يكسب سلوكيات معينة، لهذا كانت الرّحمة والتّعاطف ضروريّة لهذا الإنسان، ومثل هذا النّقود تحمل وجهين: وجهها الأول المحبّة، ووجهها الثّاني التّعاطف، فبين المحبّة والتّعاطف مشترك كبير.

قلتُ: ولهم مطويّة حول التّعاطف والتّعايش بعنوان: for Compassion تتكون من أربعة نصوص كمبادئ وقيم عامّة يعملون عليها، حيث بيّن الطّبيب تشالرز باركير أنّ هذه النّصوص الأربعة جاءت من قبل شخصيّات دينيّة متعددة، ومن قبل أيضا شخصيات لا دينيّة، وكذلك شخصيّات فكريّة وفلسفيّة، حيث الجميع كتب أو اتّفق مع هذه النّصوص الأربعة، وهذا يعود إلى عام 2008م لمّا كرّمت كارن أرمستروتج بجائزة عالميّة، وهي بريطانيّة الجنسيّة، فلمّا سؤلت ما أمنيتك؟ أجابت: أرجو أن يجتمع رجال الدّين والفكر عموما معا، ويضعوا نصوصا حول التّسامح والتّعايش، فاجتمعوا في عام 2009م وكتبوا هذه النّصوص الأربعة.

النّص الأول يتحدّث عن التّسامح والتّعايش مع الجميع، فمن حق الجميع أن يعيش في هذه الحياة، وأن يتمتع بما فيها من خيرات، وأن يكون شعارهم: حبّ للآخر ما تحبّه لنفسك، فالغاية نشر السّلام والمحبّة بين الجميع من البشر.

والنّص الثّاني يتحدّث أنّه علينا بشكل عام أو خاص أن نشعر بآلام الآخرين، ونبحث عن هذه الآلام لنقدّم الحلول، ونبتعد عن الأنانيّة، فالكثير من البشر محرومون من أقل حقوقهم الإنسانيّة، فعلينا أن نساعدهم، وأن نسعى في خدمته ولو كان معاديا لنا، لقد خسرنا معركة مواجهة الكراهيّة، فقد شاعت بين البشريّة، ولكن علينا أن لا نيأس، بل نواصل الطّريق في مواجهتها، ليحلّ محلّها المحبّة والتّعايش والسّلام.

والنّص الثّالث يتحدّث عن الأديان في السّابق أنّها كانت سببا في الكراهيّة والصّراع بين البشر، ومع هذا الأديان أيضا حملت فكرة السّلام والمحبّة، وعليه النّصوص القديمة في هذه الأديان إمّا أنّها نصوص تدعو إلى الصّراع والكراهيّة، وإمّا نصوص تدعو إلى المحبّة والسّلام، فنصوص الصّراع والكراهيّة جاءت لزمنها، ولا علاقة لها بزمننا، بينما نصوص المحبّة والسّلام هي الّتي تفيدنا في زمننا، فتعامل مع هذه الأديان وتعاليمها بشكل إيجابي فيما يخدم البشريّة.

والنّص الرّابع يتحدّث عن ضرورة الإسراع في نشر التّعاطف والتّعايش بين النّاس، وأن نحارب الكراهيّة، وكلّما اتّحدنا كلّما أسرعنا في كسر خطاب الكراهيّة.

وبعد قراءة هذه النّصوص الأربعة يواصل حديثه: سبب وجود صراع في النّصوص الدّينيّة القديمة أنّ البشريّة حينها كانت في البحث عن سبب الوجود، وعن خالق الوجود، إلا أنّه أيضا بسبب الجوع والبحث عن الطّعام كانت القبائل تتقاتل فيما بينها، والإله سمح لهم بذلك لأجل الحياة وبنائها واستعمارها، وأنا كمسيحي أجد في العهد القديم من الكتاب المقدّس من النّصوص الّتي تدعو حتّى إلى قتل الأطفال والنّساء، كما توجد نصوص تدعو إلى التّسامح والمحبّة، فعلينا أن نتجاوز نصوص الكراهيّة والعداوة، ولا نشتغل بها، ونتمسك بنصوص المحبّة والتّعايش والتّسامح.

وأنا كطبيب أيضا أدرك أنّه يوجد مكان في أسفل الرّأس من الخلف يهيّج الصّراع ممّا يؤدي إلى القتل، بينما في أعلا الرّأس من الأمام يوجد مكان يدعو إلى التّعقل، فعلينا أن نأخذ بمقدّمة الرّأس، ولا يسيطر علينا آخر الرّأس.