بدر بن سالم العبري يكتب: الرّحلة البحرينيّة (2)..زيارة مركز عيسى الثّقافي وجامع أحمد الفاتح

بدر بن سالم العبري


في أول الصّباح حضر الأستاذ فريد عبد الوهاب أحمد إلى النّزل في ضاحية السّيف، وذهبنا لتناول الفطور في مقهى حاجّي عند باب البحرين، وهو مقهى شعبي قديم، افتتح عام 1950م، يقصده البحرينيون والسّياح، يقدّم الأكلات الشّعبيّة البحرينيّة فطورا وغداء وعشاء، على الموسيقى والغناء الكلاسيكي البحريني والخليجي.
ومنطقة باب البحرين حسب ما فهمت هي المنطقة القديمة في المنامة، ومن أجمل الأماكن التّقليديّة فيها، وكان يظهر سابقا البحر، ولكن البناء ستر ذلك حاليا، وقد رمّمت حديثا، ومع كثرة النّاس فيها، وكلّ في فلك يسبحون، التّاجر والسّائح والبائع والصّياد والمار إلا إنّك لا ترى ضجيجا، ويغلب الهدوء والسّمت على المكان، وباب البحرين أصبح حاليا مكتب وزارة هيئة البحرين للثّقافة والآثار.
وهنا ذهبنا إلى متحف دائرة البريد، وتأسست الخدمات البريديّة فيها حسب لوحة التّوثيق في المبنى عام 1884م، فقد نشطت التّجارة في البحرين في هذه الفترة، واستقبلت العشرات من الخارج، ومنهم من عمان واليمن، فمنهم من استقر وتزوّج في البحرين، والعديد رجع، وكان هؤلاء يرسلون رسائلهم ومكاتيبهم لأهلهم في بلدانهم، لهذا لزم وجود دائرة للبريد منذ فترة مبكرة، وكانت تأخذ وقتا طويلا لأسابيع وأشهر حتى تصل، إلا أنّه في عام 1912م شغّلت الحكومة الهنديّة خطّا مباشرا بين الهند ودول الخليج، بدل المرور أولا بالبصرة فبومباي في الهند، وبالتّالي كان أسرع لوصول الرّسائل زمنا، ولكثرة الطّلب على البريد افتتح فرع آخر للمكتب عام 1946م في المحرّق، وهكذا فرع ثالث عام 1950 في منطقة عوالي، وأحدثت أيضا وظيفة ساعي البريد لتسهيل الأمر، وبعد استقلال الهند 1947م انتقلت الوكالة إلى كراتشي في باكستان 1948م تحت إشراف بريطانيا، ثمّ توّلت ذلك بريطانيا حتى عام 1965م ليكون الإشراف مباشرة من قبل مملكة البحرين إلى اليوم، وقد حوّل هذا المكتب إلى متحف، حفظ مئات الطّوابع، ومنها طوابع عمانيّة منذ بدايات عهد النّهضة الجديدة عام 1970م، كما اشتمل المتحف على صناديق البريد القديمة، ومتعلقات البريد التّقليديّة، والدّخول بالمجان لتشجيع النّاس.


ثمّ مررنا بمركز الشّرطة، ويبدو أنّه مركز قديم إلا أنّه رمم، وهو يشبه (كركون) بلاد الشّام أو مصر، ثمّ ذهبنا إلى السّوق المغلق، يشبه سوق مطرح عندنا في عمان، وبعدها ذهبنا إلى مول البحرين، وفي داخله مقهى باب البحرين، وهو مقهى داخل المول يقدّم القهوة البحرينيّة والخليجيّة والتّركيّة بجانب القهوة الغربيّة، وأسعاره قريبة من محلات القهوة عندنا، كذلك مررنا على المحكمة الدّستوريّة البحرينيّة، وأنشئت المحكمة الدّستوريّة في البحرين عام 2002م، وبدأت عملها 2003م.


بعد هذا ذهبنا إلى منطقة الجفير في المنامة، وأصلها قريّة يسكنها الأخوة من الشّيعة الإماميّة، والشّيعة في البحرين يطلق عليهم إمّا الشّيعة العجم، أو الشّيعة البحارنة، والبحارنة هم الشّيعة العرب، ونسبتهم في البحرين كبيرة، ويوجد طائفة قليلة للشّيعة الإماميّة الإحسائيّة نسبة إلى الشّيخ أحمد الإحسائي [ت 1241هـ]، كما يوجد مسجد للشّيعة الأخباريّة في المنامة، والأصل نزوره لولا ارتباطنا بجدول مسبق، ويوجد أيضا الشّيعة الإسماعيليّة أو البهرة في البحرين وهم قلّة ولهم مسجدهم أو مكان عبادتهم، ولا أدري هل يوجد للزّيديّة أفراد ممّن تجنّس أو أقام، كما يوجد الإباضيّة كأفراد ممّن بقي وهم قليلون جدّا.


وأمّا السّنة فأغلبهم شوافع، والعائلة الحاكمة مالكيّة، والمالكيّة لهم وجود قديم في المنطقة، ووجودهم لا زال في الحجاز والإحساءـ كما أنّ الأسرة الحاكمة في أبو ظبي ودبي مالكيّة، وأخبرني الدّكتور عبد العزيز العوضيّ [معاصر] من رموز وفقهاء الشّافعيّة في شمال عمان أنّ تأثر الأسرتين في الإمارات كان من قبل الفقهاء الّذين يأتون من الإحساء إمّا للقضاء أو الدّعوة، كما يوجد في البحرين أيضا أحناف خصوصا المجنسين من الهند وباكستان وشرق آسيا، أو ممّن هاجر من هذه المناطق قديما واستقر في البحرين، ورأيت بعض الحنابلة ممّن درس في المملكة العربيّة السّعوديّة، أمّا الاتّجاه العقائدي فيما يبدو لي بالنّسبة للسّنة أغلبهم أشاعرة أو سلفيّة صفاتيّة، وقد حضرت سنة 2010م مجلسا للأخوة السّلفيّة في البحرين، ورأيت نشاطهم التّعليمي والاجتماعي، كما يوجد أفراد من الماتريديّة، مع الوجود الإمامي بالنّسبة للشّيعة، هذا بالنّسبة للمذاهب الإسلاميّة، وسيأتي الحديث عن الأديان والحركات اليمينيّة واليساريّة في محلّه.


وعموما منطقة الجفير توّسعت اليوم، وضمّت العديد من أراضي البحر المستصلحة، وهنا زرنا مركز عيسى الثّقافي، نسبة إلى الشّيخ عيسى بن سلمان [ت 1999م]، والد الملك الحالي، والمركز يتبع الدّيوان الملكي، ويعتبر من أبرز المؤسسات الثّقافيّة في البحرين كما في موقع رشف الالكتروني، وتوجد لوحة في بداية المبنى كتب فيها: “تفضّل حضرة صاحب السّمو الشّيخ حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد المعظّم بوضع حجر الأساس لمكتبة الشّيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال 1422هجريّة، الموافق 26 ديسمبر لعام 2001 ميلاديّة”.

ثمّ دخلنا إلى المكتبة الوطنيّة بالمركز، وهي تضم آلاف الكتب والدّوريات والمخطوطات وأدب الطّفل، وممّا يميزها أنّها خصّصت قاعة مستقلّة للكتب النّادرة الّتي لم يُعَد طبعها ككتابات بدايات القرن العشرين، والمكتبة تتكون من سرداب وفيه أرشيف الصّحافة الوطنيّة ومكتبة الأطفال، وطابق أول وفيه الكتب الأجنبيّة، والمطبوعات الوطنيّة، ومكتبة الشّيخ عبد الله بن خالد آل خليفة، والكتب النّادرة، وطابق ثاني وفيه المكتبة الالكترونيّة والإدارة.


بيد أنني وجدت خطئا في التّصنيف، حيث وجدت بعض الكتب الإباضيّة كمشارق أنور العقول لنور الدّين السّالميّ [ت 1334هـ/ 1914م]، وفصل الخطاب في المسألة والجواب لخلفان بن جميّل السّيابي [ت 1392هـ/ 1972م]، والإباضيّة بين الفرق الإسلاميّة لعليّ يحيى معمّر [ت 1980م] وغيرها مصنّفة تحت باب فرق الإلحاد والملاحدة، وفي نفس الباب كتب البهائيّة والأحمديّة وشيء لا يعدّ عن كتب الإلحاد ككتاب الإلحاد في الغرب لرمسيس عوض [ت 2018م]، والبهائيّة والأحمديّة الأصل تصنيفهم في كتب الأديان، أو على الأقل الملل والنّحل أو الفرق، ولعلّ من قام بهذا التّصنيف ممّن ينتسب إلى مدرسة أهل الحديث؛ لأنّهم يعمّمون الإلحاد على المخالف كالمأول للصّفات، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا التّصنيف في مكتبة وطنيّة تحوي الجميع.

وفي مركز عيسى الثّقافي فعاليات أسبوعيّة مكثّفة، ومتعددة من فكر وتأريخ وأدب وفنّ ومسرح وغيرها، وأعطونا كتيبا يحوي الفعاليات مدوّنة أسبوعيّا باليوم مع تأريخ الفعاليّة لعام كامل.


وفي الجفير ذهبت أيضا إلى جامع أحمد الفاتح، وهو من المساجد الكبيرة في العالم، وأكبر جامع في البحرين، أسّسه الشّيخ عيسى بن سلمان آل خليفة [ت 1999م]، عام 1987م، وأحمد بن محمّد آل خليفة الفاتح [ت 1795م] هو الّذي فتح البحرين عام 1783م، وهو مؤسّس إمارة آل خليفة في البحرين، ونسبوا إلى جدّه آل خليفة، وكان امتداد إمارته إلى قطر، فسمّي المسجد تيّمنا به.
وصلّيت في المسجد الظّهر أربعا خلف الإمام ثمّ العصر ركعتين منفردا للسّفر، والإمام يصلّي في السّطور الخلفيّة لقلّة المصلين، ولسهولة إدراك الصّلاة لمن تأخر، وهنا رأيت قريب الإمام فتاوى الشّيخ محمّد بن صالح العثيمين [ت 2001م]، فتقرّبت من الإمام وسألته لماذا الفتاوى هنا قرب محراب الإمام؟ لأنّه يماثله عندنا كتب فتاوى الشّيخ الخليلي أو المعتمد من فتاوى الشّيخين الخليلي والقنوبي، فأخبرني يقرأون منهما دقائق بسيطة يوميّا، لا أدري ذكر لي بعد العصر أو المغرب، ثمّ رأيت زوايا خاصّة للسّواح من غير المسلمين داخل المسجد من الذّكور والإناث، يشرح لهم أبجديات الإسلام وأركانه بمختلف اللّغات، ثمّ يترك الأمر للنّقاش، وذلك داخل المسجد، مع لافتات توضيحيّة لسورة الفاتحة وما يمارس في المسجد من وضوء وصلاة، وقد شرح لي الإمام أنّ السّائح ولو غير مسلم يعرّف عن الإسلام وتعايشه داخل المسجد، ولدقائق معدودة، مع توّفر كراسي في الزّوايا، وحائط الكتابة للشّرح، كما وجدت غرفة بسيطة داخل المسجد كمكتبة تحوي كراسي، ومنظمة، ممكن استغلالها للقراءة حين انتظار الصّلاة، أو بين الصّلوات، وهنا دعاني الإمام للضّيافة معه فاعتذرت له لضيق الوقت، وكان رجلا بشوشا متواضعا يجيب بكلّ سمت وهدوء.

ثمّ ذهبنا إلى منطقة عالي في البحرين، وهي منطقة قديمة اشتهرت بمدافن دلمون وصناعة الفخار، وذهبنا إلى مجمع الرّمليّ للغداء في ركن كوجي كشري، وهو مطعم مصري في المول يقدّم الوجبات المصريّة وعلى رأسها الكشري، ويتقنون طبخه، وهنا التقيت الأستاذة نهى كرمستجي، وقد أتت بأطفالها للعب في صالة الألعاب بالمول، فأخذنا حديث حول ذكريات مؤتمر شيكاغو، ونشاطهم الثّقافي في البحرين، خصوصا في مجلسهم جابري الثّقافي، حيث سنحضره هذه اللّيلة، ونشاركهم الفعاليّة الثّقافيّة.


وبعد هذا رجعنا إلى النّزل لنستعد لزيارة عالم الآثار البحريني سلمان المحاري، وزيارة مسجد الخميس الأثري، ثمّ الذّهاب إلى مجلس جابري الثّقافي، وتسجيل حلقة مع الشّيخ الدّكتور صلاح بن يوسف الجودر حول التّعايش في جنّة دلمون كما سنرى في الحلقة القادمة.