أحمد بن علي الصبحي يكتب: نحو دبلوماسية اقتصادية عُمانية

أحمد بن علي الصبحي

الدبلوماسية الاقتصادية، والتي يندرج تحتها أيضا الدبلوماسية التجارية، هي شكل من أشكال الدبلوماسية التي تستخدم مجموعة متنوعة من الأدوات الاقتصادية التي تمتلكها الدولة لتحقيق مصالحها الوطنية. تهدف الدبلوماسية الاقتصادية من خلال أنشطة الخدمة الدبلوماسية إلى خدمة الأمن الاقتصادي والمصالح الاستراتيجية للبلد على المستوى الدولي من خلال استخدام الأدوات الاقتصادية في إدارة العلاقات مع الدول.

 تستخدم الدبلوماسية الاقتصادية الموارد الاقتصادية، إما كمكافآت أو عقوبات، من أجل تحقيق هدف من أهداف السياسة الخارجية. حيث تتضمن الدبلوماسية الاقتصادية استخدام المهارات الدبلوماسية مع الأدوات الاقتصادية لتعزيز الأهداف الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية للبلد. تركز أنشطة الدبلوماسية الاقتصادية بشكل رئيسي على تشجيع التصدير، وترويج الاستثمار،  وجذب الاستثمار الاجنبي،  و نقل التكنولوجيا، و التعاون الإنمائي، وكذلك الترويج للبلد وبناء صورة عالمية إيجابية عنه، و ترويج العلامات التجارية الوطنية والترويج السياحي. كما يراقب الدبلوماسيون الاقتصاديون السياسات الاقتصادية في الدول الأجنبية ويقدمون التقارير و المشورة حولها لحكوماتهم من اجل وضع أفضل الاستراتيجيات لتحقيق المصالح الوطنية.  لهذا اليوم، تعد الدبلوماسية الاقتصادية إحدى الأدوات الرئيسية للسياسة الخارجية لمعظم دول العالم وذات أولوية لتعزيز الانتعاش الاقتصادي وتحسين صورة  الدولة في الخارج.

  في عصر العولمة، أصبح الاقتصاد هو العنصر الحاسم والاكثر تأثيراً في العلاقات الدولية، وهو الذي يحدد اتجاه ومحتوى وكثافة العلاقات السياسية بين الدول. لذلك، اكتسب الاقتصاد دورًا مركزيًا في الأنشطة الدبلوماسية، وأصبحت الحدود بين الأنشطة الدبلوماسية السياسية والاقتصادية أقرب من أي وقت مضى، و أصبحت عملية التآزر والتكامل بينهما أكثر وضوحًا. نتيجة لذلك مرت الدبلوماسية الكلاسيكية التقليدية ذات التوجه السياسي بعملية تحول  كبيرة، حيث كانت السياسة هي  المحرك و القوة الدافعة الرئيسية في الدبلوماسية، بينما اليوم أصبح الاقتصاد اليوم هو المحرك الرئيسي. أصبح حساب توازن القوى بين الدول في المقام الأول من خلال القوة الاقتصادية، والتي تعد أحد المحفزات في تعزيز دور الدبلوماسية الاقتصادية.

وفقا للدكتورة دينا تومسيك من جامعة زغرب بكرواتيا، الدبلوماسية الاقتصادية، هي الأداة الرئيسية لتحقيق الأهداف الاقتصادية على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف، و هي كذلك الأداة الرئيسية لتطوير التعاون الفعال على المستوى العالمي. نتيجة لذلك خلق الاقتصاد العالمي الجديد طلبًا على رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين الذين يمكنهم إدارة العلاقات الاقتصادية الدولية المعقدة بفعالية. حيث تحتاج الشركات الوطنية إلى المساعدة في التفاوض بشأن المشاريع المشتركة والعقود واتفاقيات البيع مع الشركات الأجنبية، وكذلك في إدارة العلاقات مع الحكومات حول العالم. بالإضافة، تحتاج الحكومات إلى مسؤولين ذو مهارات عالية يمكنهم التفاوض بشأن الاتفاقات ويمكنهم المساعدة في حل النزاعات بين الدول في ما يخص مجموعة واسعة من القضايا التجارية و الاقتصادية والسياسية.  

الدبلوماسية الاقتصادية لا تعمل على تعزيز ازدهار الدول  فحسب بل أيضا تلعب دور مهم في السياسة الخارجية لتلك الدول. لذلك كان من الطبيعي أن تكون اليوم الدبلوماسية الاقتصادية مكونًا متميزًا ورئيسياً في أجندة الدبلوماسية التقليدية للعديد من دول العالم. حيث أدرجت كثير من دول العالم الدبلوماسية الاقتصادية ضمن أجندة دبلوماسيتها التقليدية، وأسست مديريات ووكالات لها في وزارات خارجيتها،  كما هو الحال في الصين، والولايات المتحدة ، و الهند، و فرنسا، والبرازيل، وغيرها من دول العالم. تستخدم هذه الدول الدبلوماسية الاقتصادية بأشكال مختلفة قد تكون كبرامج إغاثية في أوقات الكوارث الطبيعية والازمات، أو في المقابل كعقوبات اقتصادية لتحقيق الأهداف السياسية.

فعلى سبيل المثال، تضع وزارة الخارجية الأمريكية الاقتصاد في قلب السياسة الخارجية للولايات المتحدة، حيث تعمل الدبلوماسية الاقتصادية الأمريكية على تسخير أدوات القوة الاقتصادية لتعزيز السياسة الخارجية الأمريكية، و استخدام أدوات السياسة الخارجية لتعزيز القوة الاقتصادية الامريكية. تعتبر الدبلوماسية الاقتصادية الأمريكية أوسع بكثير من دعم مبيعات الشركات الأمريكية في الخارج أو دعم الاستثمارات التي يقوم بها الأمريكيون في البلدان الأخرى، بل أيضا تشمل استخدام العقوبات الاقتصادية لمعاقبة الأفراد والدول بما يتماشى مع السياسة الخارجية الامريكية، بالإضافة تشمل حشد المساعدات الدولية والتمويل للبلدان الشريكة في أوقات الأزمات و الكوارث الطبيعية. كما ان القسم الاقتصادي و السياسي في السفارات و البعثات الدبلوماسية الأمريكية في الدول الاجنبية يلعب دور كبير في الدبلوماسية الاقتصادية الأمريكية من خلال تفاعله عن كثب مع القطاعات الحكومية الاقتصادية والمالية والتجارية وغير الحكومية ورجال الاعمال في الدول المستقبلة لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة.

كذلك هو الحال في الصين، مع تنامي نفوذ الصين الاقتصادي (والسياسي)، أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية أداة مهمة في السياسة الخارجية الصينية. حيث اعتبرت بكين الدبلوماسية الاقتصادية أولوية في استراتيجيتها “الشاملة” للدبلوماسية، وتعهدت النخبة السياسية في الصين بمواصلة الاستثمار في الدبلوماسية الاقتصادية كأداة للنمو الاقتصادي والتنمية.  قدمت بكين حوافز واسعة في شكل مساعدات واستثمارات للعديد من البلدان النامية في العالم كأداة من ادوات دبلوماسيتها الاقتصادية، بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق،  في المقابل أيضا قامت الصين بسن سلسلة من العقوبات الاقتصادية والتجارية تجاه دول مثل اليابان والفلبين، بسبب النزاعات الإقليمية. 

كذلك هو الحال  في فرنسا، الدبلوماسية الاقتصادية هي أولوية قصوى في وزارة الخارجية الفرنسية. حيث  تم إعادة تسمية  مديرية الأعمال والاقتصاد العالمي بوزارة الخارجية إلى مديرية الدبلوماسية الاقتصادية في يناير 2019. هذه المديرية هي المسؤولة عن الترويج عن فرنسا اقتصاديا وتجاريا، و هي أيضا نقطة الاتصال بين الوزارة والشركات الفرنسية في الداخل والخارج. كذلك تعمل مديرية الدبلوماسية الاقتصادية الفرنسية مع المديريات والإدارات الوزارية الأخرى في فرنسا ذات الصلة لتحديد وتنفيذ مبادرات الدبلوماسية الاقتصادية الفرنسية بطريقة منسقة. 

 في السلطنة بدء واضحا الاهتمام بالاقتصاد والاستثمار كأحد المكونات والاهداف الرئيسية في رؤية عمان 2040. فكان هناك العديد من المبادرات في مجالات التجارة والاقتصاد والاستثمار التي تهدف إلى ترويج الاستثمار الوطني وجذب الاستثمار الأجنبي و تعزيز سهولة وحرية الاعمال والاستثمار في السلطنة. كذلك كان هناك مؤخراً الكثير من الجهود والنشاطات لتعزيز التنسيق و التكامل بين وزارة الخارجية ،كونها الجهة المعنية بالخدمة الدبلوماسية،  والجهات الحكومية الأخرى المعنية بالاقتصاد والاستثمار، ومن أبرزها في الفترة الأخيرة هي اللقاءات التي نظمتها وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار بالتعاون مع وزارة الخارجية مع رؤساء البعثات الدبلوماسية العمانية في الخارج بهدف التعريف بالحوافز والفرص الاستثمارية المتاحة في السلطنة وكيفية استقطاب الاستثمارات الأجنبية، ودعم الصادرات العمانية و ترويجها في الأسواق العالمية. بالإضافة إلى الحراك الدبلوماسي الاقتصادي الملحوظ الذي تقوم به بعض البعثات الدبلوماسية للسلطنة في الخارج.

و من اجل تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية العمانية لخدمة المصالح الوطنية تتطلب المرحلة الراهنة في السلطنة جعل الدبلوماسية الاقتصادية كأولوية ضمن أجندة الدبلوماسية السياسية للسلطنة. و تعزيز وتفعيل الموارد والأدوات الاقتصادية التي تمتلكها السلطنة في إدارة العلاقات مع دول العالم. وكذلك تطوير البنية الاقتصادية في السلطنة وجعلها اكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي، وتحسين مستوى سهولة وحرية الأعمال والاستثمار، ورفع مستوى تصنيف السلطنة في المؤشرات الدولية، وتعزيز القدرة التنافسية للسلطنة في القطاعات الاقتصادية. كذلك زيادة مستوى التنسيق والتكامل بين وزارة الخارجية و أصحاب العلاقة بالاستثمار والاقتصاد في القطاعين الحكومي والخاص و رجال الاعمال. كما يتحقق ذلك من خلال رسم استراتيجية واضحة للدبلوماسية الاقتصادية تعمل جنبا إلى جنب مع أهداف السياسة الخارجية للسلطنة، وتعزيز الصورة العالمية للسلطنة، و تقوية العلاقات الاقتصادية الثنائية والمتعددة الأطراف مع المنظمات الدولية و دول العالم. ويتحقق ذلك أيضا من خلال  تعزيز مهارات الدبلوماسية الاقتصادية لدى الدبلوماسيين في البعثات الدبلوماسية العمانية حول العالم، وبناء القدرات الوطنية من الدبلوماسيين الاقتصادين العمانيين لتحقيق أكبر قدر من المصالح الاقتصادية للسلطنة في عالم أصبح فيه الاقتصاد هو العنصر الحاسم والاكثر تأثيراً في العلاقات الدولية، وهو الذي يحدد اتجاه ومحتوى وكثافة العلاقات السياسية بين الدول.