مرتضى بن حسن بن علي يكتب: كيفية التخلص من البيروقراطية؟ (1- 2)

مرتضى بن حسن بن علي

appleorangeali@gmail.com

تُستخدم كلمة “البيروقراطية” في وصف هياكل الإدارة الحكومية الرسمية في بلد ما، والمتمثلة في البنى والهياكل التي يقوم عليها تنظيم السلطات الإدارية وتوزيعها، وتحديد الصلاحيات وتسمية المسؤولين وتراتبياتهم، وتخضع للسلطة المركزية.

ليست البيروقراطية في أصلها ونشأتها التاريخية كلمة ذميمة، ولكنها في تطبيقاتها الحالية أصبحت آفة، فبعض الحكومات نجحت في تشخيصها، ووضع آليات لمعالجتها والقضاء عليها، أما في بلداننا فقد تجذرت وانتشرت مثل النار في الهشيم والسرطان في الجسم، وأثرت سلبًا على تقدمها، رغم كل الكلام عن ضرورة التَّصدي لها، وذلك لغياب عنصري الإرادة والإدارة.

البيروقراطية كلمة إغريقية قديمة ومشتقة من كلمتين: الأولى “بيرو” ويقابلها باللغة الإغريقية كلمة “bureau” وتعني حرفيا المكتب، وكلمة “قراطية” ويقابلها بالإغريقية كلمة “kratos” وتعني السلطة، فالبيروقراطية حرفيًا تعني سلطة المكتب، أي المركز، لذلك يُطلق عليها بالسلطة المركزية.

وكأية سلطة لكي يتم تأصيلها وتقنينها وحماية نفسها لتسود، فلابد لها من سن تشريعات وقوانين، القوانين في ظل السلطة المركزية تأتي من القمة إلى الإدارات الأخرى، وصولاً إلى قاعدة الهرم، ويتمتع رأس الهرم “المكتب” بصلاحيات واسعة، وما على الإدارات الأخرى إلا التقيد بها، من دون مُناقشتها، هذا النظام كان مُفيدًا بداية وخدم أوضاعًا معينة في مراحل تاريخية سابقة، ولكن مع تعقّد الحياة فإنِّه لم يعد صالحًا لأزمنة مختلفة.

عالم الاجتماع الألماني المشهور ماكس فيبر (1864 -1920) هو أول من أطلق تسمية “البيروقراطية” على كل أشكال التنظيم الهيكلي الخاضع لسلطة مركزية عُليا، ولكن تبين لاحقًا أن التطبيق العملي لآلياتها المعتمدة على أرض الواقع، يُؤدي إلى تجاهل شكاوى المراجعين ومُعاناتهم في مواقع العمل والتنفيذ، وإلى مشاكل تعترضهم وعراقيل تواجههم، وخسائر يتكبدونها، بسبب عدم إنجاز مُعاملاتهم، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات، وقد تسببت طبيعة النظام البيروقراطي الحالي بتطبيقاته الجامدة وفي غياب التشخيص إلى تعارض قرارات جهة معينة مع قرارات جهة أخرى مُوازية لها، بسبب مركزية القرار في كل مكتب، بدلاً من التنسيق والتكامل بينهما، كل ذلك أدى إلى تعثر خطط التنمية بسبب عدم رغبة بعض الحكومات في تطبيق أية خطط إصلاحية مؤثرة.

هذه الإشكالية لم تكن العيب الوحيد التي أثبتت من خلاله البيروقراطية أنها مصدر لتعقيد الإجراءات، بل برزت إشكاليات أخرى نتيجة التقيد الحرفي بنص القانون، والتمسك الشكلي بظواهر التشريع، والنظر إلى الموظف على أساس أنه مجرد آلة لتنفيذ القرارات الصادرة من المكتب أو “المركز”، من دون ترك أي هامش للاجتهاد والمبادرة المنتجة والإبداع الإداري، وتعقّد الوضع أكثر عندما أخذ الموظف المعني نفسه بتعقيد الأمور أكثر فأكثر، ولاسيما في ظل وجود تضخم وظيفي وموظفين متدني الكفاءة، واستعمال عدد منهم كل أساليب النفاق للترقي إلى مناصب أعلى هم أصلا غير مُهيئين لها ويجهلون أبجدياتها، بسبب تغليب عنصر الولاء على الكفاءة، وغياب مؤشرات الأداء والحوكمة وغيرها من مقومات الحكم الرشيد، كل ذلك انعكس سلبًا وبشكل أكبر على إمكانية تطوير الإدارة بشكل عام، هذه الأسباب وتداعياتها، دفعت دولاً عديدة إلى القيام بإصلاح جذري للجهاز الإداري للدولة بعد أن أيقنت أنه يُعرقل التطوير الإداري والإنتاجي ويكون ضحيته أحيانًا المُوظف الجيد نفسه، والمُراجع والتنمية ذاتها على حدٍ سواء.

وفي الوقت الذي نجحت بعض الدول في تشخيصها وفي وضع آلية للقضاء عليها وقطعت أشواطاً في هذا الطريق، بقيت بلدان أخرى، خصوصاً البلدان العربية والنامية غير راغبة بالتشخيص وإيجاد العلاج، وبسبب جمود البيروقراطية، فإنها ساهمت بشكلها المتزمت في انهيار وتفكك دول كبرى مثل “الاتحاد السوفيتي”، التي سحبت معها دولاً أخرى كانت تابعة أو حليفة لها.

وقد أثبتت التجارب أنَّ عدم مُعالجة البيروقراطية تمهيدًا للقضاء عليها، يُؤدي إلى تحولها إلى فيروس معدٍ بالغ الضرر يمتلك المقدرة على التحور وإعادة إنتاج نفسه بطرق جديدة، والتسرب من خلال الثغرات الإدارية والتأقلم مع مختلف الظروف، إذا لم يتم القضاء على البيروقراطية.

البيروقراطية بتطبيقاتها الحالية في بعض البلدان، أصبحت تعني: تعقيد الإجراءات، والبطء في التصرف، وعرقلة إكمال أعمال المُراجعين، وعدم اكتراث البيروقراطيين “الأكثرية من الموظفين” على اختلاف مستوياتهم لمصالح المجتمع والمواطنين، وعدم اهتمامهم بمصلحة البلد ومستقبله، بسبب الأضرار التي يلحقونها به، نتيجة تأخيرهم في إنجاز المُعاملات، علمًا بأن بعضها تحتاج إلى أكثر من إجراء في أكثر من مُؤسسة ودائرة، وبالتالي فإنها تدور في عدة حلقات مفرغة من الروتين في كل مُؤسسة من المؤسسات، وما يتسبب فيه ذلك من هدر للجهود والوقت والمال، هناك أيضًا موظفون يتركون دوائرهم لتخليص معاملاتهم الخاصة، غير مبالين بتعطيل أعمال المُراجعين.

نفسيًا.. ربما يشعر الموظف بزيادة في أهميته إذا قام بتعطيل المُعاملات ويشعر بنوع من الراحة النفسية، وهو يسمع توسل المُراجعين له لإنهاء المُعاملة، وكلما تعقَّدت الإجراءات يشعر بأهمية أكثر، وكلما تعزز لديه هذا الشعور، يُبالغ أكثر في التعقيد.

وقد رأى بعض الاقتصاديين، في إطار دراساتهم لقضية تخصيص الموارد، أنَّ للبيروقراطية تأثيرها الفعَّال على الكفاءة الاقتصادية أو تدنيها، وملازمة للفساد الإداري والمالي، لهذا يرون أن تضخم النظام البيروقراطي يُشكل عقبة رئيسية أمام تقدم وتطوير أي بلد، وهكذا فإنَّ البيروقراطية تقف عائقًا أمام التنمية الحقيقية، ومن إحدى الأسباب المهمة لعدم نجاح خططنا ورؤانا المستقبلية بشكل كامل ولاسيما في جوانبها النوعية، لهذا السبب أيضًا ما زلنا نُعاني من مشكلة الوساطة والمحسوبية وبناء علاقات يشوبها التحيُّز، في الوقت الذي يفترض تقديم الخدمات للجمهور بعيدًا عن التحيز والمصالح، ولهذا السبب أيضًا تغيب عن الدول النامية أولويات التنمية، ولا تستطيع تلبية طموحات شعوبها، وينتشر فيها الفساد وسوء الإدارة وترتفع معدلات البطالة والفقر وتتسع الهوة بين الطبقات والشرائح الاجتماعية، علمًا بأنّ كثيرًا من تلك الدول “الفقيرة” تمتلك ثروات وموارد طبيعية وبشرية هائلة لم يُحسن استغلالها وتوجيهها.

البيروقراطية أيضًا تؤثر سلبًا على بيئة الاستثمار الأجنبي، وهو أحد القطاعات المهمة لتقدم البلدان، والمهتمون بالاستثمار الأجنبي يتفقون على أن أحد العوائق التي تعترض تدفق الاستثمارات الأجنبية يتمثل في انتشار البيروقراطية وما تسببه من عقبات، يظهر ذلك في عدة مراحل أهمها:مرحلة الحصول على الموافقة على مشروعه، وما يواجهه المُستثمر من طلبات لتقديم قائمة طويلة من المستندات والأوراق، إضافة إلى ما تطلبه وزارات وجهات أخرى من أوراق ومستندات، وكل ذلك يستغرق وقتاً وجهدًا ملحوظًا.

المستثمر- مواطناً كان أم أجنبياً- يهمه في المقام الأول عنصر الوقت، والذي إذا طال يترتب عليه ضياع فرص أو فقد أرباح متوقعة، ولذلك يفضل الانسحاب من مشروعه والتوجه إلى دول أخرى توفر له الوقت، وتختصر الإجراءات من خلال إيجاد محطة واحدة يتمكن من خلالها من أخذ الموافقات اللازمة، وبذلك تُهيئ له المناخ الإداري المناسب لاجتذابه وتوفر له وقته وجهده، ورحلة المستثمر مع البيروقراطية في الأجهزة المختلفة في أي بلد لا تنتهي بمجرد حصوله على الترخيص بالاستثمار؛ بل إنها تستمر خلال مدة إنجازه للمشروع وبعده، فهو يتعامل بصفة دورية ومنتظمة مع هذه الأجهزة.

إذا كانت هذه هي العراقيل التي تُسببها البيروقراطية وبعض الموظفين، فما هي الطرق والوسائل لمُعالجة المشكلة؟ هذا ما سوف نحاول شرحه في الجزء الثاني من هذا المقال، والذي سوف ينشر قريبًا.