أسماء الغبر تكتب: رِحْلَة الرَّحِيلْ

أسماء الغبر

رحلة الرحيل.. هذه هي الرحلة بكل ما تحمله من معنى، فالرحلات تزورني كل يوم بل كل لحظة، يذكرني شغفي للكتابة أن أشرع في الأمر، ويأمرني ألمي أن أخط ما أجده في نفسي من أسى وحزن على أحبة لي من المرضى وما رأيته في سابق مهنتي وما أراه الآن مع من أُحب.

رحلة الرحيل هي رحلة الوداع، هكذا طاب لقلمي تسميتها، نعم هي رحلة وتمر بمراحل قاسية ومؤلمة ومحزنة ومتعبة، ألا وهي رحلة العلاج من مرض عضال، مرض نهايته تدنو ولحظاته تقسو ومراحله تترنح بين آه ويا الله، تبا للوجع حين لا يفرّق بين صغير ولا كبير ولا وهن ولا كهل ولا شاب ولا فقير ولا ولا ولا.

يكسر المرض أبواب الجميع ولا يطلب استئذانا إن حان وقت حضوره، يداهم صاحبه بزيارة لم يحسب لها فيدخل عليه دخول المفترس فيفترسه في كل يوم يمر من رحلته حتى يقضي عليه بقضاء الله وقدره.

أعلم أن منكم من سيقول إن المرض ابتلاء من الله وأمر الله حاسم وقضاؤه قد قُدّر، وأنا لا اعتراض لي في ذلك واُشهد الله في قولي، أنا فقط أردت أن أصف رحلة المخاض التي لا فرج فيها إلا الفراق والوداع وحرقة كل منهما، أردت أن أفضفض للقارئ عن دموع محبوسة في عيني تهاجم ذاكرتي لتأخذني إلى العناية المركزة وأولئك المرقدين صمتا وغلظة الآلام التي يحسونها، والإرهاق النفسي الذي يكتمه التنفس الصناعي، أردت أن أبوح بـ”آهٍ” أرى دخانها وأنا أقف على مريض خدره المرض وأوهن عظامه، فما عاد له صرخة تُسمع.

لا اعتراض لي والله، لكني وودت أن أبوح بقلمي اليوم عن مرضى بفيروس “كورونا” والسرطانات والأمراض المستعصية، تلك الأمراض ورحلتها العاصفة ودويها الخانق وقوتها الكاسحة وهجومها المباغت واسمها المرعب، تأخذني دموعي بأن أصف اللحظة المؤلمة لعرض من أعراض المرض كالموجة العالية أو الطوفان الذي تخور أمامه القوى، نعم لكم أن تتخيلوا الأعراض المتقلبة وكما أصفها كالأمواج العاتية لا نهار لها ولا ليل فكلها بآلامها تقسو وتُسرمد حياة صاحبها وجعا وأنينا وأسى.

أعرف أن الموت رحلة ستأتي لي ولكم ولهم وللجميع فإنك ميت وإنهم ميتون، ولكن حين تموت قبل الموت وتنتهي قبل نهايتك وتطلب الموت ولا يأتيك وتتوغل في أطراف حياتك النهايات، إلا أن البلاء ما زال ينتظر لحظة الرحمة والقضاء المحتوم والحمد لله رب العالمين.

لو تكلمت وشرحت وقلت عن رحلة الرحيل ومرارة دورانها الزمني ومسمّاها العاصي، لأجابني الكثير بالرضا والقبول وكثير من الصبر والجلد وأنهم يتمنون فقط أن يتقبل الله صبرهم وأن يزيدهم فوق صبرهم صبرا يفوق صبر المحروم من فلذات الدنيا كلها، فإني أسألك يا رب أن ترزقهم الصبر على ليل ينام فيه الأصحاء ويسهرون، صبّرهم على ألم ليس له علاج ويتعذبون، صبّرهم على شعور اليأس ويخافون، وكن لهم بعد الحبيب حبيبا، ولدعاء من يدعو لهم سامعا ومجيبا، يا رب ذكرهم أبدا ما أحييتهم وبشرهم ما أبقيتهم بقولك الكريم الصادق العظيم: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ».

وآخر قولي: “اللهم اشفِ مرضانا من المسلمين أينما كانوا، واشف أحبابنا برحمتك وانظر إليهم بعين لطفك يا رب، يا رب داوِ من لا دواء له واشفِ من قلّت حيلته ويا رب أحييهم إن كانت الحياة خيرا وتوفهم إن كانت الوفاة خيرا لهم”.

*الصورة من محرك البحث العالمي(جوجل)



أ