الكاتب الجزائري مراد غريبي يكتب: نحو مجتمع قارئ.. بسطة حسن أنموذجا..

مراد غريبي

العديد من المشاريع في أوطاننا العربية إما فشلت أو لا تزال تستنزف الميزانيات أو تعطلت بسبب سوء التسيير أو لم تبلغ الأهداف المسطرة لها و في احسن التقديرات بلغت منتصف الأهداف، قد تكون مشاريع خاصة بالبنية التحتية الاقتصادية كالصناعة و السياحة و العمران أو مشاريع خاصة بالتنمية الإنسانية كالتعليم و الرياضة و الثقافتين الدينية أو المدنية و الفن و الصحة و غيرها من حقول التنمية الشاملة، هناك منطقة فراغ في أغلب المشاريع التنموية العرجاء على مستوى العالم العربي بغض النظر عن تلك المشاريع التي تعاني أساسا من فساد إداري أو تخطيط عشوائي لا يمت للعلم و الواقع بصلة لعدم أهلية المتصدين له أو لضيق الأفق في التوفيق بين ماهو تقني بحت و ما هو واقعي ثقافي، و هذا مبحث مهم جدا -سنحاول مستقبلا مناقشته في مقال خاص- أو لتقصير ثقافي عام بماهية البرمجة الاستراتيجية للمشاريع بما يتواءم و معطيات الواقع و التطلع للتنمية الحقيقية على المدى المتوسط و المدى البعيد، و أحيانا المبالغة في ترشيد التكلفة على حساب نوعية و جمالية المنتج و مصداقيته العملية..

في ظل هكذا مشكلات، منطقة الفراغ التي لا يرتكز عليها أغلب المستشارين و الخبراء و التكنوقراطيين و نقاد الواقع من المثقفين و غيرهم في بناء ملاحظاتهم و ارشاداتهم و تقاريرهم حول المشاريع الفاشلة أو العاطلة أو الجامدة هي النتائج الصغيرة المنيرة أو ما يسمى بالثمار الهامشية، لأنه في الغالب المشاريع حتى تنطلق أو تعود إلى سكتها يوصي الخبراء بالضخ المالي أو العودة لنقطة الصفر أو تغيير الخارطة العملية أو تقليص الأهداف مما قد يشوه المشروع تماما، لكن تحديد الثمار الهامشية يساعد في لملمة أطراف المشروع و تجديد روح التخطيط و تعديل برنامج العمل بما يتناسب و الأهداف المركزية..

الثمار الهامشية في هذه العجالة سنتناولها في مشروع بناء مجتمع قارئ، تحديدا نوادي القراءة و معارض الكتب و دور النشر و الصحافة الإلكترونية و المنتديات الأهلية و المكتبات المتنقلة و بسطات القراءة كبسطة حسن بالمملكة العربية السعودية التي خصصت لها هذا المقال لأنها تجربة رائدة في العالم العربي ككل، و تابعت تألقها من خلال العمل الثقافي الدؤوب الذي اعرفه تماما في شخص صديقي الاستاذ حسن آل حمادة، صاحب الرؤية الثقافية الثاقبة و الدور الاجتماعي المتطور و المنفتح على الثقافة بشتى آفاقها، لقد تبلورت البسطة و أزهرت و حلقت في عالم رواد الفعل الثقافي المؤثر بفضل اتقان استثمار النتائج الهامشية و تحويلها لأدراج نحو القمة الحضارية المنشودة من فعل الترويج للقراءة و الاهتمام ببناء الوعي الفكري و تطوير الأفكار الحية إلى مشاريع سوسيوثقافية..

بسطة حسن ليست طفرة ثقافية أو قفزة مجتمعية بل هي مسيرة حافلة مع فكرة “اقرأ” و فن المطالعة و العلاج بالقراءة، إنها مشروع مثقف ناشط و فعال فيما يمكن تسميته بمقاولات التنمية الثقافية في المجتمع عموما والقراءة على وجه الخصوص، هذا الحقل الذي يستقطب العديد من العملاء في مجالات شتى ترتبط بكل ماهو ثقافي و اجتماعي و اقتصادي و إنساني تحديدا، تنمية القراءة في مجتمعاتنا العربية شهدت نكسات متعددة بسبب غياب الجدية و التخطيط الاستراتيجي و الاقتصاد المعرفي على مستوى البرامج التعليمية و الإعلامية و المناشط الاجتماعية و النشاطات الثقافية بما يمكنه أن ينتقل بالوعي الجمعي للتركيز في تنمية القراءة لدى الإنسان العربي، حيث آخر الاحصائيات لا تكاد تذكر العالم العربي في سلم القراءة العالمي لدى المجتمعات، لكن رحلة الأستاذ آل حمادة كانت حافلة بالأفكار المميزة و العقبات المثيرة لنشوة التطلع أكثر فأكثر، إلى أن رست سفينة بسطة حسن من عالم المثال إلى واقع الفعل بشاطئ القطيف فبعثت روحا إجتماعية جديدة و ابتسامة ثقافية مهمة للأجيال الصاعدة تزيد من رونق خوض غمار التحدي الحضاري لتجديد الوعي و رفد الفكر و الروح و العاطفة بقداسة “اقرأ” في المجتمع العربي الحي…

بناء مجتمع قارئ على ضوء رسائل بسطة حسن يحتاج لعدة رافعات:

١.التحدي الثقافي الأول لدى أي مجتمع هو وعي جذور مشكلة الثقافة، و الذي يرصد من خلال مكانة الكتاب و حيوية القراءة لدى أفراد ذلك المجتمع، و هذا ما تنبه إليه باكرا الأستاذ حسن آل حمادة و العديد من المثقفين في المجتمع القطيفي عبر اقتحام حقول المعرفة و أبعاد الثقافة، حيث التنوع الثقافي في البسطة آسر ومعبر عن استراتيجية ثقافية منفتحة على الإنسان و النتاج المعرفي و الحياة ككل .

٢.تطوير أساليب صناعة الوعي بأهمية القراءة على جميع الحقول و تقريب الكتاب بشتى صنوفه للقارئ عبر الإعلام المحلي و تشجيع  الكتاب على النشر و أصحاب دور النشر على دعم الطاقات الفكرية و الأدبية الصاعدة، والتنسيق لتكامل الأدوار في توفير المادة الفكرية و الأدبية من معارض الكتب.

٣.تطوير فكرة المكتبة البيتية بتجديد و تنمية حقولها المعرفية، لأن بذرة القراءة في القطيف راسخة رسوخ الثقافة الدينية و الإبداع الأدبي و الفني فيها، لكن جيل الأستاذ حسن آل حمادة استطاع النهوض بالخطاب الثقافي و ابتكار مشاريع النوادي ومع مطلع الألفية الثالثة خوض غمار النشر الالكتروني ثم الإعلام الفضائي و ما هنالك من انتقالات الخطاب الثقافي الديني لمستوى متقدم في الحث على الانفتاح الثقافي و إثراء التنوع و تنمية التواصل و التثاقف.

٤. عندما نلحظ عدم إقبال المجتمع على الكتاب، لابد من تنويع حضور الكتاب مجتمعيا على منوال الفكرة الأساسية للاشهار التي تلامس الشغف، و تلاحق المستهلك أينما يتوجه، وهذا أحد أوجه العبقرية في بسطة حسن و الذي يعكس الأصالة في التجارة العتيقة و البسيطة كما ينشد الانشراح و الانبساط عبر الكتاب بالإضافة لعش الكتب الذي اعتبره خلفية اسناد للبسطة، كما انني لاحظت من خلال تعقيبات بعض الاخوة في وسائل التواصل الاجتماعي  على ركن بسطة حسن بالصيدليات أنه لا يتناسب و المكان، اللافت ان الردود كانت على العكس تماما و كلها متفقة على ضرورة الاهتمام بموضوع العلاج بالقراءة، فعلا الوعي لا يجدد فقط بالنقد النظري و السجال الفلسفي و إنما بالفعل الحضاري و المواجهة الثقافية لصور التخلف و الرجعية و السلوك المنافي للإنسانية، لأن فعل القراءة خصوصية إنسانية أسس الاسلام دعوته عليها، و انساننا المسلم لابد أن يكون قارئا مسؤولا في جميع تفاصيل حركته في الحياة.

٥. اهم رافعة استوقفتني في تجربة بسطة حسن هي التركيز على النشء و تخصيص جناح مميز لهم و الاهتمام بجديد اصدارات الأطفال، و الأكيد هذا ليس غريبا لأن الأستاذ حسن آل حمادة علم أجيال و خبير بأساليب التنوير الفكري و الثقافي التي تنطلق من أول مراحل الدراسة..

في البدء كانت فكرة …ثم أصبحت بسطة…وصارت سنة..لابد أن تخلد في كتاب!!

شكرا صديقي و أخي المبجل أ. أبو بتول سفير القراءة في العالم العربي، لأنك عبرت باقرأ من الوعظ إلى الحياة اليومية للإنسان العربي، على أمل الاستزادة من البسطات العربية للقراءة … لأن الأمة التي تقرأ لا تستضعف و لا تشيخ..

*كاتب و باحث في الفكر

**الصورة من محرك البحث العالمي (جوجل)