بدر بن سالم العبري يكتب: الرحلة الظفارية(6)..جلسة نقاشية حول آية القوامة والضّرب في سورة النّساء

بدر بن سالم العبري

بعد تسجيل حلقة ذكريات رمضان في ظفار مع الحبيب علوي الكاف كما رأينا في الحلقة السّابقة، هنا استأذن الكاف لصلاة العشاء، وحضر الأساتذة عبد الله العليان، وأحمد النّوفلي، وسعيد المعشني، ومحسن آل حفيظ، والحبيب أحمد باعلويّ، بجانب الحبيب سالم المشهور، ثمّ لحق بعض الأخوة من أقرباء الحبيب سالم، وحضر أخوه الحبيب فيصل على فترات متقطعة، وفي آخر الجلسة أدركنا علوي الكاف بعد رجوعه من الصّلاة.

وصالون الحبيب سالم المشهور يتناولون فيه قضايا تتعلّق بالشّأن الدّيني والفكري، وأخيرا يتناولون قضايا التّفسير، ورأيناهم بعد قراءة الآية، يتناقشون حول الآية من خلال تفسيريّ مفاتيح الغيب أو التّفسير الكبير للإمام فخر الدّين الرّازي (ت 606هـ)، وتفسير المنار لمحمّد رشيد رضا [ت 1935م]، وأصل التّفسير للإمام محمّد عبده [ت 1905م]، وقلت في كتابي الجمال الصّوتي ص: 135: “إنّ رشيد رضا خلّد دروس الإمام في التّفسير، وقام بتحريرها حتى الآية 125 من سورة النّساء، ثمّ واصل رشيد رضا التّفسير حتى وصل إلى سورة يوسف، وأتمّ البيطار [ت 1976م] سورة يوسف، وجمّع هذا التّفسير باسم المجلّة –أي المنار-، كما أنّ رشيد رضا اشتهر باسم صاحب المنار”.  

وتوافق وجودنا مع نقاشهم لآية القوامة والضّرب أي الآية (34) من سور النّساء، وافتتح الحبيب سالم المجلس مرتلا الآية: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}.

ثمّ بدأ بذكر بعض ما ذكره الفخر الرّازي في تفسيره: “اعلم أنه تعالى قال: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [النّساء: 32] وقد ذكرنا أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ النّساء تكلمن في تفضيل الله الرّجال عليهن في الميراث، فذكر تعالى في هذه الآية أنّه إنّما فضّل الرّجال على النّساء في الميراث؛ لأنّ الرّجال قوامون على النّساء، فإنّهما وإن اشتركا في استمتاع كلّ واحد منهما بالآخر، أمر الله الرّجال أن يدفعوا إليهنّ المهر، ويدروا عليهن النّفقة فصارت الزّيادة من أحد الجانبين مقابلة بالزّيادة من الجانب الآخر، فكأنّه لا فضل ألبتة”.

ويقول أيضا: “واعلم أنّ فضل الرّجل على النّساء حاصل من وجوه كثيرة، بعضها صفات حقيقيّة، وبعضها أحكام شرعيّة، أمّا الصّفات الحقيقيّة فاعلم أنّ الفضائل الحقيقيّة يرجع حاصلها الى أمرين: إلى العلم، وإلى القدرة، ولا شك أنّ عقول الرّجال وعلومهم أكثر، ولا شك أنّ قدرتهم على الأعمال الشّاقة أكمل، فلهذين السّببين حصلت الفضيلة للرّجال على النّساء في العقل والحزم والقوّة، والكتابة في الغالب والفروسيّة والرّمي، وأنّ منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصّغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشّهادة في الحدود والقصاص بالاتّفاق، وفي الأنكحة عند الشّافعي رضي الله عنه، وزيادة النّصيب في الميراث والتّعصيب في الميراث، وفي تحمل الدّية في القتل والخطأ، وفي القسامة والولاية في النّكاح والطّلاق والرّجعة وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، فكلّ ذلك يدل على فضل الرّجال على النّساء”.

وقال أيضا: “والسّبب الثّاني لحصول هذه الفضيلة: قوله تعالى: {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ } يعني الرّجل أفضل من المرأة لأنّه يعطيها المهر وينفق عليها”.

وقال الرّازي حول الضّرب: “قال الشّافعي رضي الله عنه: والضّرب مباح وتركه أفضل، روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه قال: كنّا معاشر قريش تملك رجالنا نساءهم، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم، فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهنّ، فأذن في ضربهنّ، فطاف بحجر نساء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم جمع من النّسوان كلّهنّ يشكون أزواجهنّ، فقال صلّى الله عليه وسلّم: لقد أطاف اللّيلة بآل محمد سبعون امرأة كلّهنّ يشكون أزواجهنّ، ولا تجدون أولئك خياركم، ومعناه أنّ الّذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممّن لم يضربوا، قال الشّافعي رضي الله عنه: فدلّ هذا الحديث على أنّ الأولى ترك الضّرب، فأمّا إذا ضربها وجب في ذلك الضّرب أن يكون بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك ألبتة، بأن يكون مفرقا على بدنها، ولا يوالي بها في موضع واحد، ويتّقي الوجه لأنّه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين، ومن أصحابنا من قال: لا يبلغ به عشرين لأنّه حدّ كامل في حق العبد، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضّرب بمنديل ملفوف أو بيده، ولا يضربها بالسّياط ولا بالعصا، وبالجملة فالتّخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه”.

ويقول: “وأقول: الّذي يدل عليه أنّه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثمّ ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثمّ ترقى منه إلى الضّرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التّصريح في أنّه مهما حصل الغرض بالطّريق الاخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطّريق الأشق والله أعلم”.

وعقّب الحبيب سالم المشهور على كلام الرّازي بقوله: ميزة الإمام الرّازي الرّبط بين الآيات ليعطي فهما متكاملا، وأحد المتصوّفة يقول: “القرآن كلّه جملة واحدة”، قال عبد الله العليان:  يرى محمّد عابد الجابري [ت 2010م] أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا.

وحول التّفضيل يقول سالم المشهور: التّفضيل مقابل التزامات وواجبات ماديّة واقتصاديّة، ورعاية اجتماعيّة شاملة، وظروف المجتمع القديم لا تتناسب إلا مع هذا التّفضيل، ويرى النّوفلي أنّ التّفضيل في آية القوامة لمّا قال القرآن بما ليس بالشّريطة فيها إشارة إلى آية الميراث وإنّما إلى اختلاف النّاس في طبائعهم من موقف إلى موقف، ومن حياة إلى حياة، ومن زمن إلى زمن، بما فضّل الله بعضكم على بعض، وأحيانا النّساء أفضل من الرّجال، وأحيانا الرّجال أفضل من النّساء، فمن الصّعب حصر القرآن في زمن وموقف واحد، ومثله اليوم المرأة تكون وزيرة، وتكون قاضية في بعض الدّول، ويرى أيضا أنّ التّفضيل اليوم لا يقتصر عند الجانب الأسرى فأصبح أكثر اتّساعا كالجانب المجتمعي والوظيفي مثلا، قال المشهور: ذهب أبو حنيفة [ت 150ه] إلى جواز تولي المرأة القضاء.

وعقّب المشهور على كلام الرّازي: “أمّا الصّفات الحقيقيّة فاعلم أنّ الفضائل الحقيقيّة يرجع حاصلها الى أمرين: إلى العلم، وإلى القدرة، ولا شك أنّ عقول الرّجال وعلومهم أكثر”، حيث يرى أنّ كون المرأة غير متعلمة هذا ظرف اجتماعيّ وليس شرعيّا، واستشهد برواية ضعيفة صيغت لملائمة هذا الظّرف: “لا تعلموهنّ الكتابة، ولا تسكنوهنّ الغرف، ولا تحفظوهنّ سورة يوسف، وحفظوهنّ سورة النّور”.

وحول كلام الرّازي: “ولا شك أنّ قدرتهم على الأعمال الشّاقة أكمل” عقّب المشهور: جعل القوّة أفضليّة فيه تجوّز، ويريد المشهور أنّ هذا أقرب إلى الجانب التّكويني، وقد يكون الرّجل أكمل في جوانب والمرأة أكمل في جوانب أخرى، فالمسألة تكامليّة، ولهذا عقّبت على كلامه في الجلسة بقولي: لا يوجد تناقض في كلام الرّازي لأنّه يتحدّث عن الحقيقة التّكوينيّة، فلا يوجد تفاضل من حيث الأصل، ولكن يحدث التّفاضل من حيث الكسب والقدرة بين الجنسين، ويرى العليان: القوامة تعني المسؤوليّة، وذلك لأنّ طبيعة المرأة ضعيفة، فمثلا لو حدث هجوم نقف مع المرأة لضعفها، ويرى النّوفلي أنّ القوامة في زمن النّزول كانت بيد الرّجل، بينما الآن نجد في بعض الأسر أنّ المرأة من تقوم بقوامة البيت كاملا بما فيه الزّوج.

ويرى النّوفلي أنّ مفهوم الرّجال هل يقتصر على المفهوم الحالي وكذا النّساء، فمثلا القرآن استخدم لفظة امرأة في مواضع ونساء في مواضع أخرى، ويرى أيضا: الرّجال قوّامون بمعنى الرّجل من يقوم بالأمر ذكرا كان أم أنثى، وعقّبتُ هنا: صحيح المرأة تسمى رجلة لغة، ولكن ذكر الله المقابل هنا أي النّساء.

وعقّب المشهور أيضا على كلام الرّازي: “وقد ذكرنا أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ النّساء تكلمن في تفضيل الله الرّجال عليهن في الميراث” بقوله: سؤال النّساء في نصيبهنّ من الميراث دليل على حرّية التّساؤل، قلتُ: ضاق الحال اليوم بمن يطرح مثل هذه الاعتراضات والتّساؤلات، ومن يتأمل كتب التّفسير الأولى يجد أكثر سعة.

وتطرق العليان إلى كرامة المرأة ففي البادية والعديد من المناطق ينسب الرّجل إلى أمّه كأن يقال ولد فلانة، قلتُ له: حتى عندنا إلى وقت قريب ينسب الرّجل حين النّداء إلى أمّه، وفي كتب التّراجم يوجد اعتزاز بذكر أمّ الرّجل.

وأشار العليان أيضا إلى قضيّة النّفقة بالنّسبة للمرأة ففي الفقه الإسلامي المرأة ولو كان عندها مال لا يجب عليها النّفقة، بل حتى الخدمة لا تجب عليها في البيت، وعقّب المشهور أنّ رأي الجمهور ومنهم الشّافعيّة خلافا لابن تيميّة [ت 728هـ] يرى ليس على المرأة واجب الخدمة، وعقّب لاحقا علوي الكاف: القوامة قبل أن تكون تشريفا هي تكليف؛ لأنّه يترتب عليها مسؤوليات كبيرة، ولهذا الفقهاء قالوا لو كانت المرأة غنية، ولم ترد أن تنفق على نفسها شيئا لوجب على الرّجل الإنفاق عليها، وذكر العليان قصة طريفة في بداية الثّمانينات من القرن العشرين الميلادي في مصر أصدر السّادات [ت 1981م] قانونا للمرأة من ضمنها أنّ الشّقة من حق الزّوجة، لو طلّقت تبقى للزّوجة، والشّيخ الغزالي [ت 1996م] كان يخطب الجمعة في جامع عمر مكرم فقال: قوانين تخرج من تحت السّرير، ويقصد جيهان السّادات [معاصرة] وراء هذا القانون، فزعل السّادات على الغزالي وطرد، فذهب إلى السّعوديّة ثمّ الجزائر، ويرى المعشني أنّ لكلّ مجتمع خصوصيّة، ففي بعض المناطق في أروبا المرأة تأخذ نصف أجر الرّجل، وهذا يتنافى مع المساواة، الإشكاليّة لما يصدر من الغرب يصبح مقبولا، لهذا ننقلب على القرآن نفسه لنرضي الآخر.

وفي قوله تعالى {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} يرى المشهور أنّ الله لم يقل: واللّاتي ينشزن؛ وإنّما قال واللّاتي تخافون …، مجرد الخوف من النّشوز، ويبقى ما هو النّشوز، هل مجرد امتناع المرأة من الجماع، وإلى أيّ مدى تكون طاعة المرأة لزوجها، هل مطلقا أم فيما يترتب عليه من حقوق للزّوج فقط، كما يرى بذلك محمّد حسين فضل الله [ت 2010م]، ومثاله سابقا صوم النّفل لا يصح إذا فيه تفويت لحق الزّوج.

وحول الهجر ذكر المشهور أنّ رشيد رضا يرى الهجر ضربا من ضروب التّأديب، ويرى ابن جرير الطّبريّ [ت 310هـ] أنّ الهجر هو التّقييد، من هجر البعير أي شدّه بالهجار وهو القيد، ويعقّب المعشني: ما دمت تقبلت فكرة الضّرب فمن باب أولى الرّبط أو القيد.

وأمّا بالنّسبة للضّرب فذكر الرّازي عن الشّافعي قوله [ت 204هـ] “والضّرب مباح وتركه أفضل”، قال المشهور: منهم من قال أن يكون الضّرب بمنديل ملفوف أو بيده، ولا يضربها بالسّياط أو العصى، ويرى في نظره واضربوهنّ يحتوي هذه الخيارات المتعددة حسب ثقافة المجتمع، فالأمر للإباحة، وعقّب المعشني: الأصل في الأمر للوجوب أو النّدب، وقلّ ما يندرج إلى الإباحة، وقلتُ: وقيل أيضا الضّرب بالخوص، قال النّوفلي: وقيل الضّرب بالسّواك، إلا أنّه يرى أنّ        آراء الفقهاء لا تهيمن على القرآن وإنّما العكس.

وذكر العليان أنّه في ظفار من العيب ضرب المرأة، ويعتبر من الكبائر، قال النّوفلي: الشّيخ أبو الحسن البسيوي [ت ق4هـ] والشّيخ سعيد بن خلفان الخليليّ [ت 1287هـ] فسّرا الضّرب بمعنى القول الغليظ، ويقول أيضا: الضّرب يرجع إلى اللّغة، وفي اللّغة يأتي بمعاني كثيرة، مثل ضرب الأمثال، وبمعنى الأكل، ويدخل فيه اليوم ضرب الهاتف، وقال –أي النّوفلي-: كنتُ سابقا معجب برأي عبد الحميد أبو سليمان [معاصر]، وهو سعودي، له كتاب اسمه أزمة العقل وكتاب إرادة المسلم، وله كتيّب صغير اسمه ضرب المرأة، فلمّا ذهبتُ إلى دار الفكر وجدت الكتاب مقلوبا، فسألته: لماذا الكتاب مقلوب؟ فقال النّساء لما يمررن يقلبن الكتاب؛ لأنّهن يقرأن عبارة ضرب المرأة فيقلبن الكتاب، قلتُ: هنّ لم يقرأن الكتاب، والكتاب يدافع عن حقهنّ، حيث يرى الضّرب بمعنى الهجر، أي هجر المنزل، فيرى الهجر الأول هجر الفراش أي يعطي المرأة ظهره، والضّرب هجر المنزل كاملا، ولكن في نظري لو أراد القرآن ذلك لأتى بلفظة الهجر بدل الضّرب، ويضيف النّوفليّ أيضا: في كتاب السّنة الوحي والحكمة لخميس العدوي وخالد الوهيبي وزكريا المحرمي [معاصرون] ناقشوا قضيّة الضّرب، وخلصوا أنّ الضّرب هو ضرب الحلول، ويرى النّوفليّ أنّ هذا أقرب الأقوال وأصحها؛ لأنّ القرآن هنا عرض العظة والهجر كأمثلة، وأنت مخير في البحث عن حلّ مناسب، واستشهد أنّ النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – لم يضرب امرأة ولا طفلا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وهذا هو التّطبيق العملي لسنّة النّبيّ، وأضاف المشهور: مع أنّه وجدت مشاكل زوجيّة في حياته – صلّى الله عليه وسلّم – كما في آية التّحريم، وابتعد شهرا، ولم يرد عنه الضّرب، وعقّب المعشني: لا يحتاج هذا إلى تكلّف، فتؤخذ الآية على ظاهرها؛ لأنّ الضّرب ليس فيه مطعن، والضّرب خفيف كما نصّ الفقهاء حتى باليد، ولو بالغ فيه على هنا القضاء ينصف المرأة، قلتُ هنا: هنا هذه الآيات تدرس ابتداء هل الأصل فيها الإطلاق أم الظّرفيّة، فإذا خلصنا إلى الثّاني ابتداء لكان في الأمر سعة من حيث التّعامل ومن حيث التّأويل، ممّا يعطي سعة للمقنن، وهنا قلتُ لو نزل اليوم القرآن في ظفار فقد تكون بعض الأحكام الملائمة لعصرنا، وعقّب النّوفلي: القرآن جاء عالميّا وليس مخصوصا لأحد، ولهذا أرى ضرب الحلول يختلف من بلد إلى بلد، ومن قانون إلى قانون، أقول: وهذا ما أريده لأنّ النّص المفتوح يعطي مساحة واسعة للتّأويل، فلمّا نزل؛ نزل مناسبا لظرفيّته، مع جعله مفتوحا ونسبيا وليس مطلقا من حيث الإنزال، وإن بقت روح النّص وغايته مطلقة.

 وهنا تطرقوا إلى تفسير المنار وذكروا منه “{الرجال قوامون على النّساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} أي: إنّ من شأنهم المعروف المعهود القيام على النّساء بالحماية والرّعاية والولاية والكفاية، ومن لوازم ذلك أن يفرض عليهم الجهاد دونهن، فإنّه يتضمّن الحماية لهنّ، وأن يكون حظّهم من الميراث أكثر من حظّهن; لأنّ عليهم من النّفقة ما ليس عليهنّ، وسبب ذلك أنّ الله تعالى فضّل الرّجال على النّساء في أصل الخلقة، وأعطاهم ما لم يعطهن من الحول والقوّة، فكان التّفاوت في التّكاليف والأحكام أثر التّفاوت في الفطرة والاستعداد، وثمّ سبب آخر كسبي يدعم السّبب الفطري، وهو ما أنفق الرّجال على النّساء من أموالهم; فإنّ المهور تعويض للنّساء ومكافأة على دخولهن بعقد الزّوجيّة تحت رياسة الرّجال، فالشّريعة كرّمت المرأة إذ فرضت لها مكافأة عن أمر تقتضيه الفطرة، ونظام المعيشة وهو أن يكون زوجها قيّما عليها، فجعل هذا الأمر من قبيل الأمور العرفيّة الّتي يتواضع النّاس عليها بالعقود لأجل المصلحة، كأنّ المرأة تنازلت باختيارها عن المساواة التّامة، وسمحت بأن يكون للرجل عليها درجة واحدة هي درجة القيامة والرّياسة، ورضيت بعوض مالي عنها، فقد قال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهنّ بالمعروف وللرّجال عليهن درجة}.

ويقول في الضّرب: “إنّ مشروعية ضرب النّساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة، فيحتاج إلى التّأويل، فهو أمر يحتاج إليه في حال فساد البيئة وغلبة الأخلاق الفاسدة، وإنّما يباح إذا رأى الرّجل أنّ رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، وإذا صلحت البيئة، وصار النّساء يعقلن النّصيحة، ويستجبن للوعظ، أو يزدجرن بالهجر، فيجب الاستغناء عن الضّرب”.

وعقّب المشهور: الإمام محمّد عبده مع انفتاحه، وله نظرات تجديديّة جريئة، إلا أنّه حول ضرب المرأة نجده في جانب محافظ، وفي جانب آخر يبالغ في التّأويل كما في الطّير الأبابيل والملائكة الموكلة بالأرزاق، وفي التّعدد يرى لا يصح إلا عن طريق القضاء لظروف حقيقيّة كمرض أو عدم إنجاب، ونتائج التّعدد في الصّعيد مخيفة أي في زمنه، ويرى العليان: أنّ تأويلات محمّد عبده نتيجة للضّغط الكبير للانفتاح على الغرب بسبب الاستعمار وتأخر المسلمين، والغاية حميدة وهي إبعاد الشّبهة عن الإسلام، ومحمّد حسين فضل الله يرى نفس رأي محمّد عبده، ولا يرى أن يجعل الحل بيد المحكمة فجعل خيارات آخرها الطّلاق، ولا يخرج الأمر من حيز الأسرة، ويرى النّوفلي أنّ المفسر يتعامل مع القرآن وفق المنهج الّذي تأثر به، مثلا المنهج الأصولي، وقد يكون متعصبا لمذهبه، أو متأثرا بالبيئة الاجتماعيّة في زمنه، وهذا ما يمكن نفهمه من كلام محمّد عبده حول الضّرب، نتيجة تأثره بالبيئة الّتي عاشها.

أقول: ولعل ضيق الوقت لم يتح ذكر جميع كلام محمّد عبده، مع أنّه ذكر إضاءات جميلة منها قوله: “هذا التّفضيل إنّما هو للجنس لا لجميع أفراد الرّجال على جميع أفراد النّساء، فكم من امرأة تفضل زوجها في العلم والعمل بل في قوة البنية”.  

وتطرقوا في النّهاية سريعا حول رواية مقاتل [ت 150هـ] في سبب نزول الآية في سعد بن الرّبيع بن عمرو وكان من النّقباء، وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، “وذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النّبيّ – صلى الله عليه وسلّم – فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم -: لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم -: ارجعوا، هذا جبرائيل أتاني وأنزل الله هذه الآية، فتلاها النّبيّ  – صلّى الله عليه وسلّم  – وقال: أردنا أمرا، وأراد الله أمرا، والذي أراده الله تعالى خير”، وحدث جدل بسيط حول الرّواية، وبغض النّظر عن روايات مقاتل بن سليمان، وهو متكلّم فيه من قبل أهل الجرح والتّعديل، إلا أنّها رواية ظرفيّة في ذاتها أيضا.

وبعد الجلسة ذهبنا إلى العشاء، وكان الوقت متأخرا، ثمّ رجعنا إلى النّزل لنستعد لزيارة الحبيب علوي الكاف في بيته للغداء ثمّ الذّهاب إلى مرباط كما سنرى في الحلقة القادمة.