أسماء المخينية تكتب: في جمال صور العفيّة حكايات

أسماء المخينية

قبل أن أبدأ كتابة مقالي عن معشوقة قلبي، الساحرة الفاتنة الذخر الجليلة، الشامخة باسمها الكبيرة بمكانتها، المتميزة بكل معاني الجمال والروائع والإبداعات الربانية، وقبل أن أغوص في صفحات العز والفخر وينتابني طوفان الغرام السرمدي، ويتملكني الحب المتيّم لـ”صور”، أشعر أنني لن أضيف شيئا ولن أقول جديدا، فهذه المشاعر والعواطف والأحاسيس وصدق الانتماء يسكنون في قلب وروح كل من أبرم معاهدة الإخلاص والفداء لسلطنة عمان وعفِيَّتَها “صُور” الغالية.

إن الكثيرين أوفوا بكتاباتهم وأحسنوا في أوصافهم وأعطوا كل شيء عتيق وجديد لمرجانة البحار العفية، فأكف المعجبين كثيرة وأحبار الملهمين وفيرة، وأعمال المبدعين مستمرة ورفوف المكاتب والمعالم الخليجية والعالمية التي حوت كتب وإصدارات صحفية لعمان لا تخلو صفحاتها أو أغلفتها من ذكر شرقية الجنوب العمانية.

ولولا كلمتي التي وعدت فيها من يُحب ويعشق “صُور” بكتابة مقال أراه من الآن صغيرا في حقها لما كتبت، فأنا أستمتع بقراءة التاريخ العماني وأزداد عزا ومجدا، وتمتدّ رقبتي شموخا إن أبصرتها عيناي، وتبتسم شفتاي لحروف اسمها الذي يحوي معاني النصر والعروبة والإشراقة والبهاء.

“صُور” ثروة لأقلام الكتّاب العظماء حين يكتبون عن سحر الطبيعة وفُروهة الإبداعات التي تجلت في قدرة القادر وعظمة خلقه في نجوم الليل وكواكب السماء والسراج المنير.

هي النقش التاريخي الزاهر، فأرّخَ عنها أهل التاريخ والعلوم، فكانت سلسلة في ماضيها وحاضرها وسطّروا حضارتها التجارية ومنفذها البحري الذي كان يربطها بالولايات الأخرى والعالم الخارجي.

وكانت “صور” مرجعا للباحثين والخبراء في علم التكوينات البيولوجية والمواقع الجيولوجية، وتتمجد “العفية” وتتجلى في أصول عاداتها وتقاليدها وما زالت المداد العريقة الأصيلة تخط في “صُور” الحاضر والمستقبل الكثير والمثير والجميل.

 أما كُتب الأدباء والروائيين فقد تعطرت كلماتهم بنسيج زاهٍ ولافت، عبروا فيه عن روايات وحكايات كبيرة، وأكثرها التصق بحياة البحر، وعرفت أوقاته ومتغيرات أحواله وتنوع مسمياته لموقع صور الساحلي الباهر، الذي انفرد به أهالي “العفية” ليسيطر على حياتهم تامة ويكون العشق والفتون الروحي، والمكان الذي يجدون فيه استمتاعهم واسترخائهم.

وإني أرى هذا المكان ملاذا للروح الضائعة ومتكأ يتكئ عليه الجسد المتعب، ويكأنّ ترابه خُلق من تراب الجنة لشدة نعومته ولطافة برودته، وكفاني صدقا إذا قلت أنني ذات يوم كنت أُمتع ناظريَّ بسكون الليل وهو يمتطى بوقته الشتوي الشهب، وقد رميت بيدي على تراب المكان الذي أجلس فيه، فأخذت حفنة من جهة اليسار في جلستي فكانت خشنة بعض الشيء، ثم أخذت أُخرى من جهة اليمين فأجدني أمسك بنعومة ولمس رهيف، زاد طمعي في أن أغمس يدي داخل التراب لأزداد شعورا لطيفا يدغدغ أصابعي، مخترقا مسام تفكيري، ويتبادر إلى ذهني قول الله تعالى: “بينهما برزخ لا يبغيان”، فسبحان الله العظيم جلت قدرته وعلا شأنه.

ومن الأمس واليوم والغد، الحاضر والماضي، الجديد والقديم، والشعراء يتهللون بضراوة الشوق والتعلق الوجداني، ويصفون الاحتكاك العميق بجدار القلب لـ”صور” العفيّة، وإذا ما أرادوا الوصول إلى القمم والسيادة في الوصف والمكانة ذات الشأن الرفيع في اختيار الكلمات ونظم القوافي، كان للعفيّة الحضور الصاخب في مداد أبحرهم الشعرية وأشرعتهم الغنائية.

اسألوا الأعياد عن “صُور”، واسألوا الأعراس عن “صور”، واسألوا المناسبات الدينية والوطنية والخاصة عن “صُور”، اسألوا النعومة والرقة والرقي والعذوبة عن كلام أهل “صور”، ثم انظروا ولا تتعجبوا إذا لمعت أعينكم إعجابا بقمرها إذا بزغ، ونجومها إذا انثقبت، وليلها إذا تسامر بدفء الشتاء وطراوة الصيف.

ولله صنعته القديرة في هوائها إذا عانق نسناس النسيم الصوري البارد، وفضله المشكور في أرضها الصلبة وقواعدها الراسخة لتكون ثباتا لزهور وثمار أينعت، وورود تنوعت وبساتين نثرت روائح الياسمين والكادي والياس والجوري، فالحمد لله المعطي الوهاب، نسأله دوام الأمان والسلام ومزيدا من الخير والتيسير والكرم والإحسان، وأن يحفظ جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، ليمضي بعمان وربوعها إلى التقدم والازدهار والرفاهية والعيش الكريم، وهو القادر الرزاق ذو القوة المتين.