سعاد بنت علي العريمية تكتب: أرجحة في “نوستالجيا” مريم الحتروشي

سعاد بنت علي العريمية

“يحتويك الحنين بل يباغتك، ثم يغتال صمودك الهش، وأنتِ أنتِ، ترتعين في طفولة قلبك كلما حلق الصغار على “أراجيح” الطفولة يقتطفون كركراتهم من بياض سحابة عابرة أو من لمعان ريشة زرقاء من جناح “شقراق” محلق”. نوستالجيا صورية لمريم الحتروشي.

جاءت “نوستالجيا” مريم الحتروشي كأرجوحة مليئة بالحنين، تؤرجحنا فيها وتدفعنا إلى نوافذ ذاكرة الطفولة، طفولتها وطفولتنا وطفولة كل شخص عاش في البساطة والشفافية في كل زوايا حياتنا.

لكن مريم تعمدت أن تكون النوافذ التي تدفعنا إليها بكل مرح في مكان جلستها، وتقول: “أجلس وصور مزدانة كعروس بجواهرها وحليها تخطر على جسر “العيجة” المعلق كفاتنة تبهر المياه بجمالها، وشالها الكشميري، وثوبها القوزراتي، وحجولها المذهبة بالنقوش الهندية على جبينها يشع الصندل والورس والزعفران، تعبر الجسر المعلق، والجبال تؤوب بجلالها”.

تجوب بنا وتؤرجحنا مريم بأرجوحة حنينها في زوايا ورموز وأحداث ارتبطت بتاريخ صور أو ما وصفته بالذاكرة الجمعية، وتاريخ طفولتها “ذاكرتها الفردية”، وتذكر في وصفها المصاغ بألفاظ لغتها الجزلة: “ونصاب بلوثة النوستالجيا فنغدو ورقة خريف تساقطت على الأرض تحركها الريح ولا تنوء إلا بتلك الخشخشة الفارغة المستسلمة لنوبات الريح حين تضربنا رائحة البحر تذرنا نهبا لنداءات الطفولة”.

إن “نوستالجيا” مريم الحتروشي قد أحيت في ذاكرتنا حدائق من الابتسام والانتشاء الروحي الذي صاحبنا ونحن نمر بهذه “النوستالجيا” الصورية، التي جعلت فيها الخيارات متاحة للتنقل بين “أنثروبولوجيا” المجتمع المتنوعة لمدينة صور، فقد دفعت بنا في أرجوحتها نحو الريح وعلاقته بإنسان صور، ثم الجبال المترامية حيث هوية نجم، ثم دفعتنا وبقوة وبسرعة نحو تاريخ صور حيث تنساب عبر “دروازتك الحدرية ” كنوز الأرض وخيراتها إلى بلاد تقطن عند أطراف المحيطات.

كما دفعتنا أيضا نحو الربان العتيد ناصر البلال، أحد رموز صور وعاشقها حتى الثمالة، حيث وصفت “البلال” في لحظة مخاض قصيدة في عشق صور بـ: “تقوم قيامة الكلمات بين جبينك، تولم لها احتراق نبضك وارتعاشات مروج بنات أفكارك”، ورصّعت النص بأبيات له، كما رصعت أبواب نصوصها جميعا بنصوص لكتّاب لهم باع في النصوص الأدبية السامقة.

ثم دفعت بنا في أرجوحتها نحو سمحة وتكسرها والغياب، حيث الفاجعة التي يذكرها التاريخ الصوري فقد أودت بحياة ما يقارب من ثلاثمائة شخص، ثم تعمدت أن يكون بعد هذا الألم فرحا، فدفعت بنا نحو دكان عمي مسعود “الباب الذي كان يزهر فرحة وأغاني وحلوى بمذاقات الألوان ومقاسات الفرح هو ذاته الذي ينبت الآن رائحة حنطة بعيدة معقودة على أطراف شالات الجدات، وبحة فقد حزينة، كان صوته أجراس فرح ومواء خافتا يثير ضحكاتنا الصغيرة.”

وهكذا تأرجحنا معها نحو آفاق بعيدة اقتربنا فيها من عوالمها وعوالم مدينتنا الجميلة صور بأرجوحة نصوصها التي لم تكن حبال عادية كغيرها من الأراجيح، فقد كانت من الذهب الخالص، وأبت إلا أن تكون متعاظمة الطول والضخامة كمرية صورية مصاغة صياغة خاصة، فقد صاغت كلمات نصوصها من ألفاظ عربية معتقة، تدلل دلالة واضحة على إبحار متقن في عمق اللغة العربية وجمال ألفاظها، فأبدعت غاية الإبداع، لتؤكد على عناية المرأة الصورية بجمال كلماتها كما اعتنت بجمال لباسها الصوري.

 وأخيرا.. كل الشكر لك مريم الحتروشية على هذا الإصدار الرائع، ونثق بأن القادم أجمل.